إفتتاحيات

أيام مسرح 77 / بين ”نسمة ” و”هدير” مادام صوت المسرح حرّ فنحن بخير

✍️سميرة الخياري كشو

عرفتها في أيام مواسم الإبداع المسرحي فتاة خجولة الى أبعد لا يكادُ صوتُها يصل اليك رغم وقوفها أمامك مباشرة منطوية على ذاتها حاملة باقة من الازهار الجميلة جاءت لتواكب عرض ”9” ولتهُدي أستاذها زهورا هامسة لي انها تخافه فهو صعب جدا في متابعة التمارين وهي تعلمني انها إلتحقت حديثا بمدرسة المسرح ولا تعلم بعد ان كانت ستواصل الرحلة ام لا؟ .

سأختار  لها من الاسماء ” نسمة” لهدوءها الفظيع بالنسبة لشخص مثلي فوضوي الى أبعد حدّ.

حافظنا على التواصل فكانت من بين قرائى المميزّين تنتشي بمقالات المسرح والسينما وهي إختصاص العلوم البعيد كل البعد عن عالم الأحرف والكلمات والتعبير الكتابي .

وأعلمتني بخوف شديد أنها ستخوض قريبا تجربتها الاولى في التمثيل الى خشبة المسرح ضمن مشروع التخرج لسنتها الاولى مسرح ودعتني الى لأواكب عرضها ضمن مسرحية ” bi o si”  ”  ضمن ” أيام مسرح 77”  وطلبت منّي  بكّل ذلك الصوت الخافت جدا أن أواكب العرض لامنحها رايي وانها جدّ خائفة ومترددة ولا تعلم ان كان يمكنها ان تتواجه مع جمهور مسرح مباشرة ام لا ؟

لكنني حاولت التخفيف عنها و انه فعلا يمكنها المواجهة فقط عليها ان تنسى ان هناك جمهورا ينظر اليها وان لزم الامر يمكنها ان تغمض عينيها كي لا ترى احدا .

وجاء عرض الاختتام  تواصلنا واعلمتني انها خلف الكواليس تستعد للُبس الشخصية وكانت جدّ خائفة ومتوترة ومرعوبة من الفشل .

وانطلق العرض وأدّت ” نسمة” دورها  أو لنقل هو أحد وجوه شخصية نور ” الJuriste  ” التي فقدت صوتها وتناضل من اجل استرجاعه .. والرافضة للتعويض لكنها تقاوم لتستعيد روحها القديمة ..فصوتها هو وجودها ولا مكان لها في الحفلات وصوتها ضائع مفقود  عرض يحمل حفيف أصوات مخنوقة.. وحركات صراع وصراخ للبقاء وسقوط وقيام من جديد ..

انتهى العرض بنجاح وسط تصفيق الحضور

وانتظرتُ ” نسمة” على باب الخروج لأهنئها بنجاحها في مواجهة الجمهور لأول مرّة

وجاءت ”نسمة” محملة بباقة من الزهور كما رأيتها أول مرة في مواسم  الابداع   بمقر المسرح الوطني …

لكنها لم تكن ”نسمة” 2025 كانت شخصا مختلفا تماما ..شخص يمتلك الكثير من الثقة بالنفس ..تضحك بصوت عال يملأه الفرح والسعادة وهي تراقص رجليها كالفراشة التي غادرت لتوّها شرنقتها ..باحثة عن والدتها وشقيقتها وما يزال صوتها يحمل إرتعاشات العرض وذبذباته ..

نظرنا اليها نحن الثالوث  شقيقتها وأنا ووالدتها وتبادلنا الضحكات ..

لم تكن ”نسمة” ..تحّول صوتها الى صوت حرّ لم تعد تهمس وكأنما تحرر صوتها الى الأبد ..لم تكن منطوية الهيئة كانت مرفوعة الرأس وتضحك وتستعد للاحتفال ..في الوقت الذي كانت الام تعبر عن انزعاجها من وقع السقطة على الارض للشخصية لكن ”نسمة” أعلنت  بصوت متحدّ وبكلّ قوةّ أنها هي كذلك حبكة الشخصية وذاك هو الدور..

لم تكن ”نسمة” هي التي رأيتها أوّل مرّة كانت شخصية أخرى تماما  شخصية ضاحكة مليئة بالثقة في لنفس …

أدركت حينها  أن مشروع فكرة  هذا الاستاذ نجحت من خلال  كل صوت خافت اسمه ”نسمة”  كان ذكرا أو أنثى ..نجح في أن يحرّر صوتها وخوفها وانكماشها وانطواءها على شخصيتها ..صوت ”نسمة” تحوّل الى ”هدير ” …

وبين ”نسمة” و”هدير” سنة كاملة من التدريبات والحضور الملتزم والعمل الجاد …

نسمة لم تكن فقط فتاة الصيدلانية الخجولة ..نسمة هي كل ” شخصيّة” من” الشخصيّات” التي صعدت الى المسرح بكل اختصاصاتها الوظيفية سواء كانت عزباء أو أمّا..ربّة بيت أو ذات منصب إداري مرموق ..شابا أو كهلا ..” نسمة ” هي ” هيثم ” الذي نجا بصوته هو الاخر من خلال المسرح .

مادام هناك مسرح حرّ فنحن بخير …مادام هناك أشخاص يؤمنون بكلمة ” مشروع ” فنحن بخير أيضا ..ومايزال هناك أمل ..نحتاج الى أكثر من حامل مشعل … مثل الفنان الراحل” أحمد السنوسي ” الذي كان حاملا لمشروع هو الاخر ..لم ينساه صاحب ” الأيام المسرحية ” ولم ينسى دوره في أن يكون هو الشخص الذي أنقذ صوته ذات شتاء 1996 بدار الثقافة ابن خلدون ..

ونحتاج الى أكثر من شخص يحمل شخص ” توفيق الجبالي ” الذي كان له هو الاخر دور في صناعة ”جنّي القمقم ” حين استفزه وغيره في عملية تحديّ ..ان كان بإمكانهم ممارسة فعل الجرأة في صناعة فضاءات مسرحية مستقلة غير منتمية .

..نحتاج أن نتوارث صورة الساحر الذي يحمل على كتفيه صندوقه العجيب المليء بالمفاجئات و يوزعّ أحلاما وأسرارا وخبايا

أمتعتنا ”أيام مسرح 77” بعروض جريئة مليئة بالحبكة والحكايات والخوف والامل والصراع لكنّها اتحدت في أمر واحد هو كيف يجب أن يكون صوتك حرّا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »