رغم نظام الكفالة الموسمية / بين رايات التوحيد والتخميرة أحيي معبد ”دقة التاريخي” سدول ستار الدورة 50 للمهرجان بنجاح

صفا-نيوز/ سميرة الخياري كشو
بعرض امتزج فيه عبق التاريخ بروح الإبداع كان الختام ” لإختتام الدورة الخمسين من مهرجان دقة الدولي ” حيث أُسدل الستار على العروض الفنية التي رافقت الدورة بملحمة فنيّة فرجوية روحانية مستمدة من التراث التونسي ومن المخزون الثقافي على ركح أقدم المدن الرومانية التي عايشت أكثر من سبعة عشر قرناً من حياة من سبقونا من حضارات تعاقبت على المكان .
فالمكان الدي اطلق عليه ملك صقيلة لقب ” المدينة جميلة من الحجم الكبير” اختارت لاحتفالات مسك الختام مزج تاريخ الماضي بالموروث الثقافي للماضي القريب حيث يمكنك ان تجلس الى حجارة عمرها الاف السنين وتمتع انظارك بأعمدة تحمل النقوش النوميدية والفينيقية وتلمح في الان ذاته معابد الالهة وتتمايل مع رايات التوحيد ونقوش حكم” ماسينيسيا ” ..




”دقة” ليست اسما فقط لمهرجان دولي يحتفل بذاكرته الخمسين بل هي تاريخ وطن يتجذّر الى أعماق الارض في دورة حاولت رغم امكانياتها المحدودة على اعتبار ان” ادارتها جمعياتية ” من ان تخرج ”بدقة” الى عروض تستدعي فنانين من مختلف الالوان الموسيقية لجمهور تجاوز المناطق المحيطة بالمكان بجلب جمهور من خارج دائرة الولاية ولاية باجة التونسية .
هكذا هي دقة حالها وحال اثارها كحال الكثير من المناطق الاخرى التي لم تحضى بالتبني المباشر من الدولة وبقيت على نظام الكفالة الموسمية .. لكنها نجحت في تخطي الصعاب وفي صنع الفرجة بين الدعوة الى ”زيارة” هذا الصرخ التاريخي العظيم الذي عايش عشرات الحضارات والحروب والانكسارات والنجاحات وكذلك عايش النهايات والبدايات ..
فمثلما حفظت الحجارة أصوات السيوف وقعقعة المدافع وسقوط الخوذات …عايشت ايضا الموسيقى والحركة والاضواء ونجاحات السهرات وتصفيق الجمهور.



لم يكن المسرح الاثري لدقة مجرد مسرح لعرض فني الى جمهور جاء ليستمتع بنسمات صيفية بل تجاوزه ليحيا التاريخ ..تاريخ الحجارة والاعمدة والاضرحة ومناسك الطقوس والاضرحة اضاف اليها الفنان ” سامي اللجمي” رؤية معاصرة ليقدم عرض الزيارة ولك ان تعايش المكان بين طقوس نوميدية لا نزال نجهل تفاصيلها وبين طقوس صوفية توارثناها عن اجدادنا كتراث لا مادي ..فامتزج التراث المادي باللامادي ليصنع فرجة .. والفرجة الى تحولت الى لوحات فنّية ..
موسيقى صوفية ورايات توحيد تلتحف الى الاعمدة الرومانية انسجمت مع عناصر الديكور فكان المسرح نفسه جزءا من العرض وتحولت انسيابية اللوحات الراقصة وكانما هي امتداد لفترات اخرى لم نعرفها بعد .



أسدل الستار على فعاليات الدورة الخمسين التي احتفت بالتراث التونسي في رؤية معاصرة، وجعلت من المسرح الأثري ”بدقة ” نفسه فضاءً نابضاً بالموسيقى والحركة والضوء.
ولم يكن هذا الختام مجرد إسدال للستار على دورة ناجحة، بل كان مسكاً وتتويجاً لخمسين سنة من الرهان على الفن الرفيع، والإبداع، واحترام خصوصية هذا المعلم التاريخي العريق…….لكنه ختام مؤقت في انتظار ان تعود الدورة القادمة بأكثر حماسة وأكثر حظّا وان تجد طريقها الى حضن الدولة بعيدا عن نظام الكفيل والتبني ولما لا دورات مخصّصة للموسيقى” السمفونية” و”الجاز ”ولعروض ”الأوبيرا ”و”للمسرح القديم” حيث تُحوّل السينوغرافيا المكان نفسه الى جزء من العرض .
نتمنى أن يشمل ” دقة ” التاريخ عرض الأوبيرا الباروكية “Dido and Enneas” ” في دعوة مفتوحة الى عشاق الثقافة والموسيقى وهي أولى الأوبرات المغناة بالكامل في تاريخ الفن البريطاني.. لكنها اليوم بأصوات تونسية فائقة الجودة .
لا نحتاج ان نكتب تواريخا مزيّفة ولا الى نجاحات وهمية فلنا من التاريخ ما يجعلٌنا من الامم التي لا تُهزم ولا تنكسر .
وما اختيار عرض ”الزيارة” ليكون اخر العروض لهذا الموسم الا وكأنه دعوة للزيارة زيارة أخرى للمكان … لدقة التي نجت من الغزو الروماني كما نجا مهرجانها السنوي من الكثير من العقبات .







