حين تُراقَصُ ”العيطة المغربية” على طريقة ” العريفة التٌونسية” على ركح ”الذاكرة تعيش” بمهرجان الحمامات الدولي

صفا-نيوز/الحمامات تونس / سميرة الخياري كشو
“العيطة مون آمور” بعد أكثر من 120 عرض حول العالم تحّط رحالها في تونس
في أجواء هي أشبه بطقوس ”عرس جبلي ” لك ان تتخيّل عروسا تتجلّى الى الجحفة أو ما يٌطلق عليها اسم ” الهودج ” موكب احتفالي لإيصال العروس إلى بيت العريس يختص به أساسًا أهالي الجنوب التونسي وخاصة أهل البدو الذين مازالوا يحافظون على هذه العادة التقليدية القديمة والمتوارثة عن الأجداد والسلف، رغم التغيرات الاجتماعية والفكرية.
لكنك في واقع الأمر أنت تجلس الى عرض ”العيطة ” المغربية .. عرض بعنوان ” العيطة مون أمور ” للفنانة المغربية ” وداد مجمع ” والموسيقار التونسي ” خليل الهنتاتي ”.
العيطة موروث غنائي و ثقافة شفوية تجعل معاني كلماتها عصّية على الفهم .. نوع من أنواع الفّن التراجعي والشعبي المغربي مٌلخصه النداء أو الصرخة بصوت عالٍ اٌستعمل كنوع من أنواع مقاومة الاستعمار ذات احتلال .



هنا تتزين النوتات بالقمصان المغربي وتلتحف بأوتار القيتارة في معزوفات تشم منها عبق التاريخ والاصالة ..لا يهٌم ان لم تفهم الكلمات فميزة ” العيطة ” أنّ كلماتها تتوارث الغموض لا يٌمكن لمن هو خارج رحمها أن يتفهم حروفها..لكن المّهم انها تحمل في سلّمها الموسيقي أوجاع الماضي و استحضارا للذاكرة الغنائية النسائية المغربية ليٌحيي تاريخ ”الشيخات ” جمع كلمة ”شيخة ” أو النسوة المتقدمات في السنّ الحاملات لتاريخ الجدّات والحبلى دوما بالثقافات المحليّة .



تٌتابع العرض وكنت قبله تتٌابع عرضا أخر يأتيك من ”سبتة المحتلة” فتستشعر وكأنك لم تٌغادر ذلك العالم قبل ساعات قليلة وانت تتابع عبر القنوات الاخبارية ما يحدث.
لا يمكنك ان تفصل بين الاثنين بين ما يٌبث على القنوات الاخبارية وبين ما تُراقصه على خشبة المسرح ”مسرح الحمامات ” ليلة الخميس 30 جويلية 2026 ..وكاّنما هو استرجاع لوجع قيل يوما انه تم تجاوزه .
ولا تعلم هل انت هنا في حضرة عرض فني أم أنّك تواكب أخبار الماضي هكذا كانت هي السهرة الفنّية لعرض ”العيطة مون أمور” للفناّنة ” وداد مجمع ” والفنان التونسي ” خليل الهنتاتي ”.
عرض يسافر بك الى الماضي منتشيا بروعة الموسيقى وبجمالية العزف ..صوت القيتارة وصوت الربابة وصوت الفنانة المخملي الحامل للبصمة الجينية المغربية.
من ”الشَيخات” الى” أميمة خليل ”
بين أغنية سيدي أحمد و” شاليني” و”دامي ”وكانما هي الاستغاثة التي تحدث عنها الارث المغربي في خضم ما يحياه وكانما هي أيضا إستفاقة للتحّرر من عودة محتّل..
لا تحاول هنا ان تفهم الكلمات التي تتلبسٌها الموسيقى ..فالنغمات كفيلة بان تطير بك بعيدا الى الصحراء الكبرى الى جحافل الخيام وكانما ” ذاكرة تعيش” عنوان الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي إختارت ان تحيي لنا أيضا الذاكرة المغاربية ولتقول ان الذاكرة لا تموت ولا تنتهي بموت أصحابها .
فتستمتع بعرض فنّي ..وتتعرف الى تاريخ وتواكب نوعا من الجغرافيا لا تحتاج فيها أن تعود الى مقاعد الدراسة ..وتستكشف ثقافات أخرى تجهلها ولو عن غير قصد .
فهي ذاكرة تٌتوارث جيلا بعد جيل …البعض يتوارث العبودية …كما يتوارث الأحرار مفّكات القيود والسلاسل وبنادق التحرر..
لم تنسى الفنانة العبور بالذاكرة من ”الشَيخات” الى” أميمة خليل ” و”مررت على الديار” ..وكانما اراد بنا العرض ان لا ننسى في خضم ذاكرتنا التي يجب ان تبقى معاشة أن لنا ديارا سنعود اليها يوما ما ..وأن حق العودة حقّ لا يُنسى وأنّ الديار هي القضيّة ..والقضيّة هي لبّ القضيّة التي نحوم حولها جميعا فالمستعمر واحد وإن تغيّر لونه أو لغته أو حتى أساليبه .لا يهم ان حررّنا أرضا فقد يكون احتلنا ثقافة ولغة ومستقبلا …



البلاد بلادي يا سيدي
هكذا تغنّت وداد بصوتها العملاق ” للعيطة ” عيطة المقاومة وأنت تمازج سماعك بين عزف خليل التونسي وصوت الربابة القادم من الخلف الذي يسافر بك هو الاخر الى الصعيد المصري ..فلا تُدرك نفسك سوى انك وسط مزيج من جزء من أمّة موجوعة …نحيب الربابة أنامل موسيقار تونسي صوت مغربي اللّكنة ..وكلمات غير مفهومة تعود بك لذاكرة فترة الاستعمار .لم يغب عنه الا صوت النجع الليبي ليسافر بك الى الصحراء الكبرى في دعوة صريحة للمصالحة …
تقول وداد في أجوبتها عن سؤالنا ابان اللقاء الصحفي أن العرض هو رد اعتبارللّهجة الامازيغية المحلّية ولنسوة ”الشيخات” الاتي ناضلن ضد المستعمر بايصال أصوات المقاومة الى الضفّة الاخرى دون أن يتمكن العدّو من فهمها .
وكأنّما اختارت وداد هي الاخرى طريق المقاومة على طريقتها الخاصة بأن تُحافظ على هذا التاريخ وعلى هذا الإرث المغربي ..مرفوقة بالموسيقار التونسي الذي نجح هو الاخر في مزجهما معا. وكأنما هو درس في التاريخ أنه علينا أن لا ننسى .
وبين الموسيقى المغربية التقليدية رقصت وداد على أنغامها في طقوس كانت أقرب الى حركات ” العريفة ” التونسية ..وهي تٌؤدي طقوسها ضمن تخميرة روحانية بموسيقى الكترونية معاصرة مزجت بين التاريخ والفلكلور والموسيقى الحديثة نجح في اتقانها خليل التونسي وأبدع فيها ..وجعل من ذاكرة نوتاتها حيّة.. فالحافظات للعيطة ولمعانيها لا يتجاوزن اليوم 300 شيخة ..
صوت أمّة تستغيث
ما تعجز عنه الحكومات تٌحييه الذاكرة وتورثه الموسيقى ويتقاسمه الاجيال وما قد تفرقّه الأنظمة تجمعه النوتات …التي لا تعترف بالحدود الوهمية ..فصنع قطعة موسيقية هو أشبه بمصير أمّة لا يمكنك ان تٌلغي فيها صوتا أو وترا ..ولا حتى ان تُسقط نوتة من سلّم موسيقي ..
فالموسيقى كانت وتكون وستظّل اللغة العالمية التي لا تحتاج الى تأشيرة عبور ولا الى حدود وهمية نتقاتل من أجلها …وحدها الموسيقى تجعلٌها صوتا واحدا .. صوت أمّة تستغيث ..حتى وإن خٌيّل لك أنّ ”العيطة ”ليست الا ”غزة ” وأننا كلنا ”سبتة ”..لكننا غير مُدركين.







