في سبعينية إلغاء ”تعددّ الزوجات” في تونس/”نجاة عتابو” تتغنّى بالزوجة الواحدة على ركح الحمامات وتٌحيي طقوس”أحيدوس”

صفا-نيوز /الحمامات تونس / سميرة الخياري كشو
إرتدت” التاريخ قماشا” و”الهويّة لهجة”
بمسيرة 50 عاما من الغناء والموسيقى وبجراب يحمل أكثر من 500 أغنية كلمات ولحنا ..صعدت المطربة المغربية ” نجاة عتابو ” لتغّني وتُطرب ”بالداريجة المغربية” و”بالشلحة ” الممزوجة بالعربية والامازيغية والبرتغالية والفرنسية و الأسبانية القشتالية وترقص رقصتها السحرية رقصة “أحيدوس”..
مزيج من عالم مليئ بالثقافات واللّهجات واللّغات تجّمع على ركح الحمامات وهي تتغنّى بالزوجة الاولى وكأنّما جاءت الى تونس لتحيي معنا الذكرى السبعون لإلغاء منظومة تعددّ الزوجات في تونس .
تاريخ 8 أوت ليس تاريخا اعتباطيا عابرا في تونس فهو تاريخ حافل بنضالات طويلة للنسوية الحقيقية نسوية المرأة المناضلة من أجل أسرتها وأبنائها المرأة المستقّلة فكريا وماديا حتى لا تكون أسيرة لأي ضغوطات خارجية .شأنها شأن أيّ وطن يريد أن يكون حرّا
سفيرة الثقافة والهويّة
لم تكن سهرة الفنانة الكبيرة ” نجاة عتابو” مجرّد عرض فنيّ أو حفلة غنائية عابرة ..كان حضورا ركحيا مفاجئا جدا للحضور الذي كان أغلبه من النساء من مختلف الأعمار.. بعض الحضور قدم من مدن أخرى من خارج مدينة الحمامات التونسية ومن سوسة الساحلية ومن القلعة الكبرى .
في صوت” نجاة عتابو ” اللّكنة المغربية الخامة صوت شعبي ..يحمل الهويّة والتاريخ لم تلّوثه موسيقات خارجية ولا لهجات جوار .. وكأنما حافظت ”نجاة عتابو” على جيناتها المغربية لتكون بمثابة السفيرة الثقافية للهوية المغربية الاصلية ..كل مخارج حروفها وحركاتها تسافر بك الى المغرب والى الاطلس والى عالم من الخيال ..سفر دون تذكرة سفر ..لم يحتاج الا الى الجلوس الى مدرج المسرح مسرح المركز الثقافي بالحمامات ليأتيك العالم على شكل أجنحة الطائر المهاجر..يأخذك الى رحلة الى الأعماق ..أعماق الأمّة الواحدة .
تغنّت بالمرأة والعائلة وشاركت جمهورها نقاشا غنائيا حول “المدونة” المغربية وقانون الأسرة وتعددّ الازواج …
لم تحيي ” نجاة عتابو”” حفلا غنائيا بل مارست طقوسا سحرية ..أعلنت شموخها وهي تقف الى خشبة المسرح بسجّل خمسون عاما من الفنّ ..ملتزمة بقضّية امنت بها منذ عقود وحافظت على ذاكرة وطنها ..وعلى هويّته .
تزيّنت بالاكسسوارات..إرتدت القفطان المغربي.. القفطان المزركش بالالوان وهو نوع من أنواع التراث المغربي أشبه بتحفة فنيّة تجمع بين الأصالة والحداثة وتطريزات يدوية دقيقة تتداخل فيها الالوان مثل ” طرزة المعلم ” التي تٌبيّن مهارة الصانع المغربي وطرزة ” العقاد” ..القفطان الذي يٌعدّ الخيار الانسب للمناسبات والافراح …
خاصة اذا علمنا أن القفطان المغربي المزركش دخل هو الاخر رسميًا ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي (اللامادي) للإنسانية لدى منظمة اليونسكو خلال شهر ديسمبر المنقضي.
كل شيء هنا مدروس باتقان وكأنّما المركز الثقافي الدولي أراد أن يثبت لنا أنه حمل الاسم الدولي كمركز ثقافي ليس مجردّ عنوان بل هو ممارسة عليك أنت أن تكتشفها ..بحضورك ..وكأنّما تدخل مغارة سحرية في كل سهرة تغادرها تكون محمّلا بزاد معرفي جديد أومعلومة كانت مغيّبة عن ذاكرتك.
فالثقافة ليست فقط حفلا فنّيا ولا راقصا .. الثقافة هي الهوّية ومن لا هويّة له ..لا ثقافة يحتفي بها ولا إرثا يٌقدمه لاحفاده .

هكذا اختارت ” نجاة عتابو” حضورها في تونس ..حضور حفل كان أشبه بدعوة الى عرس فكانت أقرب الى سفيرة للثقافة المغربية مرتديتا التاريخ قماشا والهويّة لهجة وكلمات وموسيقى . لم ينقُصها إلاّ ” برّاد الشاي المغربي ” لتٌعلن أنّك سافرت ”مراكش” أو ”أغادير”..
حتى أنّ متفرجة من الجمهور أسرّت لي أنها فٌتنت بالالوان وانها ستحوّل وجهة بقية عطلتها الى المغرب لتقتني قفطانا يشبه قفطان ”عتابو ”.
هكذا نعم نرٌوج للسياحة أن تكون أنت ذاتك إمرأة تحمل وطنا وهويّة وثقافة وايمانا بالقضية ..القضّية الأمّ وهي ملح الارض ..
في الوطنية لا نحتاج الى الغوغاء
في الديبلوماسيات وإحياء التاريخ والمحافظة على الوطن ..لا نحتاج الى الغوغاء من الكلام ولا الى ممارسة طقوس الفضيلة الافتراضية ..يمكنك أن تكون وطنيّا في ذاتك ..وأن تكون أنت واجهة للوطن لا طعنة في الظهر.



مهرجان الحمامات الدولي الذي راهن على الانفتاح على مختلف التجارب المغاربية والعالمية نجح في أن يُعيدنا في خضم الحياة الافتراضية الى أرض الواقع لنستمتع بالحياة وبالحقيقة ..ولنُعايش أخرى ..كنّا نعتقد أن العالم الغارق في التخطيط للحروب الكبرى سيٌنسينا جذورنا.

“لبؤة الأطلس” استدرجت الجمهور لمشاركتها طقوسها ورقصتها فتسأله تارة ..وتارة أخرى تغريه بالرقص قبل أن تثير غرور نسوته بملف ” المدّونة المغربية ” وتعدّد النساء وهو القانون التشريعي المُنظِم للأحوال الشخصية والعلاقة الأسرية في المغرب.
فتهّب الحاضرات في وقفة واحدة للزغروطة المغربية وللتصفيقة المغربية كردّ فعل على طريقة “الدقة المراكشية”…وكأنما هو إلا انتصار للمرأة التونسية في تاريخ 8 أوت 2026 الذي حمل هو الاخر نضالات 60 عاما .
عرض ” نجاة عتابو ” حمل أكثر من سهرة فنّية في أحشائه .. حمل عاداتا وتاريخا وفلكلورا ونقاشا على القانون النسوي ..عرض حمل أكثر من واجهة فنّية …يٌمكنك أن تتحدث عن صوتها كما تتحدث عن موسيقاها ..ويمكنك أن تضحك من أسلوبها في نقد مجلّة الاحوال الشخصية المغربية ..كما يٌمكنك في ذات الوقت أن تٌغادر باحثا عن خيّاط مغربي يستطيع تفصيل قفطان شبيه بقفطانها ..وإن كنت ميسور الحال فانك ستخطط للسفر للمغرب للتسوّق ..
عرض حمل أكثر من وجه معه
ضمن ” الذاكرة تعيش ” استرجعنا تاريخا يعود الى التسعينات وجانبا مهمّا من هذه الذاكرة الغنائية عبر مجموعة من أشهر أعمالها، من ضمنها “الصبارة” و”شوفي غيرو” و”J’en ai marre” و”كذبة باينة”، إلى جانب “واه لالة” و”المدونة” و”Viva Morocco” .
حيث كانت ” نجاة عتابو ” من بين أهم النجوم الذين كانوا يحييون السهرات المغاربية المشتركة ..
وإن تغيّبت هاته النوعية من العروض فإن النوتات جمعتها ولو في عروض متفرقة ..فنحن الجماعة وان كنّا فرٌادى ..







