أيام 77 المسرحية /عرض ”بأم عيني 1948” لغنّام غنّام / الحكواتي الذي يلبس وجههُ للمسرح

صفا-نيوز/تونس / بقلم سميرة الخياري كشو
المتعارف عليه أنه حين تدخل فضاءا مسرحيا لتشاهد عرضا فإنك ستتواجه مع فنّان يلبس أقنعته إلى الواجهة ويُغيّر من شخصياته ..قد يُلبسها ثوب التوبة كما قد يلوثّها بأذيال الخطيئة …وربّما يُمارس عليك ألاعيبه أيضا فيحملك على أجنحة الخيال لتعايش جنوحه وربّما أحلامه وتهيئاته ولما لا أحلام يقظته ..فتراه في كل حالاته التي يلبسُها أقنعة متداولة أشبه بمهرجان للأقنعة ..مجنون أو عاقل ..ضاحك أو حزين ..فلكّل قناع ولكّل شخصية ..لُبسُها ..ولكّل مشهد السيناريو الخاص به ولما لا الميلودراما التي يتزّين بها .
لكن في عرض الحكواتي ” غنّام غنّام ” إختلف الأمر..هنا لا جرس يُدق ليُعلن عن بداية العرض ..ولا ستارا يُفتح ..ولا شخصياتا تُلبس ..ولا أقنعة تتداول وجهه .
”بأم عيني 1948” هو العرض الذي يلبس وجههُ الى الخشبة ..وجهه الخالي من المساحيق ومن الإكسسوارات ..الوجه الذي نراه من قفاه ونُعايش نكباته دون أن نقترب من تفاصيل ملامحه المنكوبة الحاملة لوجع أمّة يقتلها يوميا الخذلان فيما بينها.
تُواكب سماع الحكايا وتسافر أنت أيضا بخيالك الذي لا يتشابه مع أي من خيال الحاضرين فلكل جالس الى العرض مُخيّتله الخاصة ..وهو يتجوّل من خلال غنّام نفسه الى ”القضيّة ” القضيّة التي يحاول البعض إقناعنا انها لا تهمّنا غير مدركين ..أن الامر يتجاوزنا ..فهو ملتصق بجيناتنا ..ومحقون في أجنتنّا..وأننا جيل بعد جيل نعايشه منذ كّنا في أرحام أمهاتنا …
لا تحتاج كتبا للتاريخ قد يطمس معالمها ”مغول ” القرن الواحد والعشرين ..ولا عالما افتراضيا يختفي بمجرّد نشوب حرب داخل مياه اقليمية تفتك بأنابيب الشبكات وأجهزة التحكم والاتصالات.
هنا تتوارث القصّة وتتوارث التاريخ والأزمنة والاماكن كما تتوارث وصفات الجدّات التقليدية للغذاء الصحّي وللقصص والروايات والموروث الثقافي والزاد المعرفي ..وتاريخ الاجداد ومنابت العلم والمعرفة .
بعضهم يزرع شجرة ..وغنّام يزرع الفكرة


تستعيد صوت الأماكن..وتفاصيل العدوان ..وأسماء الشهداء ..بعضهم يزرع شجرة ..وغنّام يزرع الفكرة ..والفكرة لا تموت ..بلا ديكور بلا ماكياج بلا مخرج يحكُم تحركات الارجل ولا أوراق توت ..تستعيد أسماءا يحاول العدّو التي تمتد أذرعه الى كل مكان الى ان يُنسيك أحرفها .. فتزور ”يافا ” و” حيفا ” و”الناصرة” وتتجوّل داخل اروقة ” القدس القديمة” وتدخل مقبرة للشهداء ..وتتطلّع الى شواهد القبور الغير منسية ..وتستمع الى حكاية ” فخرية ” عنوان كل أم ثكلى فقدت أطفالها إكراما للقضية .
وتشمّ مع الحكايا رائحة الزيتون والعطر والايقاع والالوان وتواكب ”دعواتا للعشاء في حيفا ” و” فنجان قهوة الى القلعة ” بوابة الغزاة إلى فلسطين التاريخية من الحدود الشماليّة التي تعاقب عليها الجميع.
لكن في كلّ مرةّ يستردُها أصحاب الارض لتعود الى الذاكرة .. ويُعيدك غنّام الى ”جبل القفزة” والى ثورة البُراق .
وتٌغمض عينيك لترسم في خيالك بيت ”غسّان الكنفاني” الذي لا يزال يحمل إسمه ..وتُحيي معه ذكرى اغتيال ”عطا الزين ”و”محمد جمجوم” و”فؤاد حجازي” شهداء الهبّة الشعبية للاحتلال البريطاني قبل أكثر من 9 عقود ..
هل تُصدق نفسك أن تُحيي ذكرى من أٌغتيل قبل 94 عاما ؟ وانت من كنت تعتقد أن نكبتنا عمرها فقط 78 عاما ؟ لتأخذك الحكايا لتصحيح التاريخ ..من أين يبدأ الاحتلال ومن أين بدأت الخيانة ..وكيفما تمّت ..ولماذا لم ننجو ؟
هنا لا يهم متى تستشهد ..في القرن العشرين أو الواحد والعشرين ففي نهاية الأمر أنت حيّ حتى وان لم يًدخلوك كتب التاريخ .. تعود حيّا الى الحكايا لتُروى القصّة قصة الاغتيالات المزركشة بالمشانق الوطنية وتستمع الى ” خطاب نابليون ” وهو يدعو الى احتلال ميناء عكا …وتنتشي الى هزيمته حيث فشل في الولوج الى دمشق وفشل في تحقيق غاياته السياسية في مصر .
لم يعلموننا في التاريخ أن دمشق كانت عصيّة على بونابرت وأن مصر قاومت حتى النهاية …هم فقط أرخّوا لنا نكبات الهزيمة ..وورثونا الفجيعة والخذلان والاحتفال بذكرى النكبة وراء النكبة ..ليُمعنوا في إذلالنا ..وإجبارنا على تقبّل الهزيمة .

لكن ”غنّــــــــام” يمتلك الحكايا ..والحكايا لا تموت …الحكايا كملح الارض كقصص الجدّات قبل النوم ..كحكايات ألف ليلة وليلة ..هي قصص تٌروى وتُتوارث ولا تموت .
قد يغتالك العدو في صمت ..لكنه لا يستطيع أن يغتال التاريخ ولا الجغرافيا ولا الكلمات …” غنّــــــــام غنّــــــــام ” الذي اختار أن يعتزل مهنته الرئيسية ومرتبّه الشهري القار وامتيازاته الوظيفية ليتحولّ الى ”حكواتي” . ..”حكواتي ”… يلبس وجهه وذكرياته هي زاده الذي يرافقه الى السفر …يتجولّ بين العروض يروي قصّة لا تشبه أيّة قصّة ..قصّة بلا نهاية ..وبدايتها لا يتحكم اليها أحد..بحثا أن يٌخلّد اسمه هو الاخر الى ” الحكايا ” التي لا تموت.
.. كثيرون منّا لا تُغريهم المناصب ولا الإمتيازات ولا إغتيالات النفوذ ..ويٌغريهم أن تموت شهيد …وأن لا تُنسى ..
لا يهمّ يا عزيزي غنّام إن ” مُتّ في المنفى ”.. ففي نهاية الأمر كلّنا منفييّون حتىّ داخل أوطالنا التي قيل لنا يوما أنّها حرّة.







