أيّام 77 المسرحية/حين يصنع الخُطاف الربيع ويٌرفرف بجناحيه حرّا بعيدا عن مسارات العبودية

صفا-نيوز/تونس / سميرة الخياري كشو
يٌواصل السّاحر الشرير ألعابه الى خشبة المسرح يصنع الفكرة ويخلق جدلا ويفتح آفاقا جديدة لمسرح الجمهور مسرح يأخُدك الى عالمه المليء بكل الفئات العمرية والاجتماعية ..فلا يترُك لك مجالا لتخلق له عُنوانا دائما ويسافر بك ودون إرادة منك ليُؤدي هاته المرّة دور ”جّني القمقم ” الذي يُفاجئك الى عرض لا يٌشبه اخر ويفتح صندوقه السحري.. يشُدك اليه لتواكب عرضه الى النهاية ..نهاية لا تحمل ستارا ينزل ولا ستارا يٌفتح ..فالعرض دوما مفتوح الى الجمهور .
هنا لا حدود تُغلق أمام من يتعثر في نطق حروف كلماته ولا في من إنطوى الى وحدته ولا في من تغلبه نفسه للتقوقع داخلها..
يعتبر المسرح مدرسة للحياة وانه في المسرح نٌؤمن أو لا نٌؤمن وأّن الكلمة هي التي تُكتب بصدق ..
آمن بالفكرة والفكرة لا تموت ..
هنا وفي قاعة فضاء ” السينمدار بقرطاج ” أُفتتحت ”أيام 77 المسرحية” وسط حضور جمهور ..لا تدري فعلا كيف تضع له تصنيفا ..هل تٌطلق عليه عنوان ”جُمهور نخبوي” أم ”جُمهور مسرحي ” من طينة خاصة ..فالكّل هنا عاشق للمسرح والكل هاو… طلبة ..تلاميذ.. موظفون ساميّون ..وموظفات وربّات بيوت .. مهندسون أطباء.. من كل الاعمار .. ذكور وإناث من مختلف المهن والطبقات الاجتماعية ..لا يجمع بينهم الّا حبّ المسرح.. بعيدا عن الاحتراف كمهنة قد تقتل الجانب الإبداعي حين تدخل أروقة الادارة التونسية بحثا عن دعم خارجي أو عرض مٌسبق الدفع .
هنا وفي افتتاح ”أيام مسرح 77” لا تعلم إن كنت تٌواكب أياما مسرحية تحتفل بمرور عامها الثاني عشر لتخرّج دُفعات جديدة من طلاب المسرح غير المحترف ..أو أنك تستقبل معهم أول دورة تغادرالاحتفال المحلي الى الحضور الدولي ..أو انك ربّما جئت لتواكب ”معز الڨديري” ولتحتفي الى ذاك المخرج الشاب الممثل المحترف والمسرحي خريج المعهد العالي للمسرح ..الشاب المراهق الذي كان يتابع مسرح أحمد السنوسي والجعايبي والجبالي والذي قرّر التحدي ليٌعلن عن لنفسه هو الاخر ملاذا لفضاء حرّ …

تحدّيا تقرأه في لحظة تكريم القامة ” الكبير توفيق الجبالي” ..وتتساءل في قرارة نفسك …هل كان فعلا تكريما لتوفيق الجبالي ؟ أم هو تكريم لمعّز الڨديري …من ” الكبير توفيق الجبالي ”..؟
وقوف الثنائي الى خشبة المسرح وحده صنع الفٌرجة …بين مؤسس لأّول فضاء مسرحي خاص في تونس ” التياترو” و بين ”مدرسة 77 للمسرح ” وسط تبادل ذكريات للتحدي بينهما …حين واجههم الجبالي ذات يوم بالسؤال إن كانت لديهم الجرأة لصنع فضاءات خاصة بهم للمسرح ؟.
لم يكن تكريم ” توفيق الجبالي ” مجرد مشهد تكريم الى خشبة مسرح وسط حضور جمهور …بل كان تكريم من ”الجبالي” نفسه الذي كثيرا ما يٌشاع أنه لا ينزل من برجه العاجي ..الى ساحة التبجّح بالامتيازات والتكريمات وصفقات المناصب .. ليمنح مشعل المبادرة والرضا الى ”معز الڨديري ” نفسه وببريق يصاحب عينيه بريق أشبه بالانتصار على بيروقراطية الادارة في مواجة الفنّ ..وكأنما يُعلن هو الاخر عن نجاح جديد يضيفه الى مسيرته الحافلة بالغرور الفنّي في خلق جيل جديد حرّ الأجنحة يمكنه ان يحلّق هو الاخر في سماء الحريّة .
جعـــــــــل المسرح ممـــــكنا
”الكبير توفيق الجبالي” الذي قال في كلمته التي لم تخن مبادئه فكان هو نفسه الفنّان الحرّ الطليق .. أنه ” سعيد بحضوره الى فضاء غير منتمي حيث تم جعل المسرح ممكنا ” ..لكنه بإعترافه هذا أكّد أن المسرح لا يمكن ان يكون له زاوية إنتماء حتى وإن كانت فردية.. فالمسرح هو ذات الحريّة التي تٌعاش بأجنحة حرّة لا تٌكبلها قيود أيّة سلطة حتى وإن كانت مادية .. وشرف حضوره الى مسرحيين غير محترفين يؤكد دوما ان الابداع لا يمكن له أن يكون برتبة موظف ولا مهنة قارّة تجعل من صاحبها عبدا الى مرتّب شهري أو منحة ينتظرها عبر منصة رقمية .
”البـــــــــــداية” و”بــــــداية البـــــــداية”

أجمل ما قد تعيشه في إفتتاح أيام مسرح 77 هو أن تٌعايش ” البداية ”و”بداية البداية” في نفس الوقت …بداية كبارات المسرح التونسي ومنهم ” السيدة منى نورالدين” التي إستذكرت هي الأخرى في لحظة تكريمها وهي تواكب تخرّج دفعة جديدة من السنة أولى مسرح لمدرسة ”مسرح 77 ”..لحضات تخّّرجها الأولى من مدرسة ” المسرح التونسي ” قبل سبعون عاما من اليوم …فبدت أقرب بكل ذاك التواضع الفني الى فتاة صغيرة تقف لأول مرة الى الخشبة ..عاجزة عن الكلام ..مٌكتفية بالابتسامة وإسترجاع الماضي بسعادة طفلة وكأنها تٌمنح هدية عيد الميلاد .
تُعايش معها بداياتها وتُعايش في الآن ذاته بدايات البداية لجيل عاشق هو الاخر للمسرح ويمارسونه كهواية وموهية .. جيلين متباعدين في السٌنون مٌتقاربين في نفس الاحلام والرغبة والطموح ..
”جنّي القمقم” الذي يٌداعب صندوقه السحري

لم يكتفي الساحر الشرّير الذي أثقل عقولنا بعرض مسرحيته ” 9 ” ولا ب ” 11 /14 ” وألقى بنا هاته المرّة ودون إنذار مسبق لنواكب أول عرض في إفتتاح ” أيّام 77 للمسرح ”بعرض مسرحية ” الكابوس ” لتلاميذ مدرسته ..عرض لا تُدرك انه ”حلم” أو ”كابوس” أو ” لعنة للكراسي” أو أنك وسط مهرجان للدٌمى التي تتحرك وسط عقلك المحاصر بصرخات بلا معنى ..
هو يوهمك أنه عرض كأقصى تمرين تكويني داخل مدرسة ” 77” حيث لا تقوم التجربة على السرد التقليدي، بل على تحويل الممثل إلى كيان حيّ لاختبار حدود الجسد والحضور والوعي على الركح...لكنك تجد نفسك محاصرا مجددا الى صندوقه …
أجساد تتحرك تنتفض مٌعلنة التمرّد تتحول الى جحيم قبل أن تنهار أمام خطة ” أنثى الجوكر” التي لا تسقط ..تستفيق البعض من الشخصيات أحدها يعتذر لأنه لم يلبس وجهه بعد ويٌواجه وجهه الاخر من خلال الجمهور معتبرهم ممثلون هم أيضا لكن دون مسرح وأن الفرق بينهما أنّه هو يكذب فوق الركح أمّا هم فيكذبون كل يوم ..هو قد ينزع وجهه بمجرد مغادرته للخشبة ..لكن الاخر يٌبقي الى وجهه معه…..يتهّم الجميع بأنهم غير راضون لأنه لم يٌعذب نفسه بالقدر الذي يٌرضيهم ..
تنطفئ الاضواء ويخيّم الهدوء قبل أن تعود تلك الصرخات المجنونة الى الخشبة وكأنما يٌعيدك الى الجحيم مثقلا بكلّ تلك الكلمات ..
يتلاعب بك ..ولا تدري هل تٌغادر العرض وتتركه الى جنونه ..أم تواصل في تقبّل تحديه ..وكأنما تنتظر أن يذهب الى صندوقه السحري في كلّ مرّة فربّما يخرج اليك بلٌعبة جديدة …تٌذكرك بأيام الطٌفولة المدرسية حين يجمعونك الى ساحة المدرسة حيث تشرئب الأعناق لتشاهد عرض البهلوان ..
الساحر الشرّير” يبادل دوره ”بجنيّ القٌمقم ”
هكذا هو ” الساحر الشرّير ” المسرحي المتمرّد على القيود وعلى التقاليد ..يٌحاول دوما أن يُقحمك الى عالمه قسرا ..شئت أم أبيت فلا خيارا لك ..وكأنما أغلق عليك انت الاخر غطاء صندوقه السحري ..ليٌعلن انّه وحده المُتحكم في اللُعبة ..ووحده يمتلك خيوط إدارتها الى خشبة المسرح .
تنتظر نهاية بلا نهاية وينتظر هو الاخر تحديا ليقتل كلّ خوف بداخلك ..ثم يطرح سؤاله المنمقّ الذي يٌلبسه في كل عرض وجها لا يشبه وجها اخر هل أنك في حلم ؟ أم في كابوس؟ أم أنك في الاثنين معا ؟.
” الساحر الشرّير” يبادل دوره ”بجنيّ القٌمقم ” ويفتح صٌندوقه الذي يحمله معه في كل عرض مسرحي بوجه جديد ….كان قبرا وكان تابوتا في مسرحية ”تسعة” .. وتحّول الى عقل مجنون مصاب بانفصام في الشخصية في مسرحية /11/14 .. وها هو اليوم يصنع من صندوقه الغير مرئي ..الصندوق الذي يراه كل مشاهد بحسب حالته النفسية كيفما يكون ..الى صندوق للدمى التي تتحرك بأمره …ويخلق لها صوتا أشبه الى تغريدات النورس التي تٌحلّق الى شاطئ الميناء تنتظر عودة غريب …
وفي كل مرّة تستيقظ تلك الوجوه الى الحقيقة لتٌعلن المواجهة مواجهة الخيالات معلنا أنّ الخيال أوضح من الحقيقة وأن الخيال كامل قبل أن يُلقي بسؤال وجودي لماذا نحن هنا؟
مٌتقبلا أن يُعلن كل وجه عن ذنبه وأن من لا يفعل شيئا هو الأخطر ربّما إشارة الى من لا يرتضي خوض المغامرة في ممارسة الخطأ والصواب .. قبل أن يسقط الجميع وكأنما يتفرّد بدور ” مٌلاعب الدمى” الذي يُلقى بالخيوط الى الارض هي الاخرى…
يسقط الجميع وتبقى أنثى الجوكر تراقص ألعابها …وتنطفئ الأضواء .. ولا تدري هل أعاد الساحر الشرير أبطال مسرحياته الى صندوقه الوهمي البصري أم أنّه سيٌغيّر من شخصياتها ..خاصة وهو يمنح أبطالها شهادات تخرجهم الاولى من ” مدرسة مسرح77 ” ..
فلا يٌمكنك ان تثق به ..وتختار ان تٌلازم حذرك ..فربّما يٌعد لك شخصيات أخرى يٌخفيها الى صندوقه ..صندوقه الكبير الذي إسمه المسرح
”مسرح مدرسة 77 ” .








