في إختتام ”مهرجان الجمّ الدولي”/ العبقري ” Yury Revich” الذي أحيا التاريخ على ركح ” كُولُوسِّيُومْ تِيسْدْرُوسْ ”

صفا-نيوز/ مسرح الجمّ – المهدية -تونس/ سميرة الخياري كشو
على صوت زخّات المطر ونسمات السماء الباردة أُختتمت ليلة أمس ال15 من أوت 2026 الدورة التاسعة والثلاثون من ” مهرجان الجمّ الدولي للموسيقى السمفونية ” والذي يٌقام بالمسرح الأثري بمدينة الجّم التابعة ترابيا لولاية المهدية جنوب شرق تونس العاصمة .
المهرجان الذي أفتتح أيّامه بأوبرا « ديدون واينياس » للمؤلف البريطاني ”هنري بولسل ”والتي تحمل التصنيف الذهبي في فنّ الباروك وأولى الأوبيرات الكاملة المغنّات في التاريخ البريطاني وهي تحاكي ”أسطورة قرطاج” ..وإختتمه بالعبقري عازف الكمان والمؤلف الموسيقي الكلاسيكي النمساوي من أصل روسي ” يوري ريفيتش ” الذي جاء الى تونس مرفوقا بآلة كمانه التاريخية والنادرة وهي من نوع ستراديفاريو (Stradivari) البالغة من 317 عاما .
لاشيء يٌفسد للوّد قضية هنا بقدرالأبواب الحديدية التي أفسدت جمالية المكان ..مع مرور العاصفة إنطفأت المصابيح الزيتية التي كان من المفروض ان تشتعل لتٌنير الأجواء وتٌعلن إنتهاء موسم أحتفالات” مهرجان الموسيقى السمفونية ” في دورته التاسعة والثلاثين بفعل الامطار التي اجتاحت المنطقة..والتي كادت ان تٌلغي الحفل إلاّ انّ الجمهور جمهور الفنّ الراقي وجمهور” يوري ريفيتش ” كان قبل الموعد متواجدا في مدينة الجمّ طوابيرا ينتظر فتح الأبواب ..جمهور تونسي قادم من العاصمة ومن مختلف الولايات التونسية واخرون من جنسيات مختلفة إمتلأت بهم مقاعد مسرح الجمّ وكراسيه في صمت مهيب ومن بينهم سياسيون وديبلوماسيون وسفير دولة النمسا وحرمه بتونس والذين كانوا يهتمون الى ادقّ التفاصيل وكأنمّا يعرضون أمجاد مبدعيهم ملفوفة في الحرير.



هنا الى هذا المعماروالقصر التاريخي تجلس الى حجارة أو هي الى حضارة لا تعلم كم مرّ عليها من سنين فعلا ولا كم هوعدد العابرين ..ولا تدري كم قٌرعت فيها من طبول حرب على مدار مئات السنين .ولا كيف ومتى تبناها القائد الروماني ”جورديان الثاني ” ولماذا ؟ .
فالتاريخ مازال يحتفظ بأسراره المكنونة ولم يٌبح بها بعد ..وكأنما أختارت تونس أن تكون أرضا للأسرار التي لم يحن الوقت لتكشف عنها ..في انتظار من يٌمكنه ان يٌحافظ عليها ويحميها من الاحتلال من جديد .أو من يٌقدّر قيمتها ويعتلي بها الى مرتبة العرش ” عرش المتوسط ” .
لا احد من الراحلين كان يدري الى أين سيؤول الأمر؟ هل كان يٌدرك من قضوا نحبهم في هذا المكان منهوشين من الوحوش أنه ستعود أصواتهم نغمة موسيقية مبللة بقطرات الندى ؟

العبقري الذي ”خذلته العاصفة” و”أنصفه الجمهور”
..تبحث في ذاكرتك عن صورة تتزّين بها في المكان ويقطع تفكيرك انطلاق الحفل الذي بدا ببروفاته المكشوفة للعلن بفعل المطر الذي أجبر أعضاء الفرقة الى تأخير التدريبات والعرض نفسه بحوالي ساعة من الزمن .
العاصفة التي دفعت بالمنظمين الى الغاء الديكور والاكسسوارات وكل مظاهر الاضاءة والتأثيرات البصرية ..واضطر العازفون لإستكمال التدريبات في حضرة الجمهور الدي بدا في إحتلال المقاعد صمتا تقديسا لهيبة المكان وللعرض .
هنا تستمع الى ”الكمان ” أو هي الى الكمنجة ولاتدري هل تستعيد عرض ”جرانتي العزيزة ” للراحل الجزيري الذي غادرنا في نفس هذا التوقيت قبل عام أو تسترد عزف المبدع التونسي ”مهدي ذاكر” وكيف لا تستذكر الرائع ” زياد الزواري ” الذي أبدع في عرض ال100 كمان ..
من ” العصر الكلاسيكي” الى ”عصر النهضة”
ولا يبقى لك من خيار إلا أن تغمض عينيك لتترك عزف العبقري ”يوري ريفيتش ” يقودك الى حيث يٌريد مع النوتات فيحملك مع أنامله الى العصر الكلاسيكي قبل أن يجعلك تستعيد عصر النهضة من معزوفة ” إدوارد إلجار – تحية الحب ” التي تتجول داخل راسك المثقل بهموم الوطن ..فتتمايل مع العزف وأصابعه الرقيقة تلهمك بكّل تلك الصور الشعرية وكأنما يراقص حبيبته الحاضرة بالغياب ..
فتجد نفسك مقتحما معزوفة ” بيوتر إليتش تشايكوفسكي” من الرقصة الروسية من بحيرة البجع وكأنّما سافرت فعلا الى داخل العرض المسرحي .
تغنّى ”يوري ريفيتش” بكل أرقى المعزوفات منطلقا من معزوفته الخاصة كمقدمة موسيقية قبل أن يحملنا معه في كل معزوفة الى إستراحة لغوية يقدّم فيها عنوان المعزوفة وصاحبها ..وكأنما من خلال ذكر الأسماء التي يعديها الى الواجهة يٌؤكد أنه هو أيضا يمكنه أن يكون الجوهرة التي تعيش أيضا وتٌخلّد .
فقط هو صوت الموسيقى قُداس للطبيعة
لا تأثيرات بصرية ولا ديكور ولا إكسسوات فقط هو صوت الموسيقى رافق بها جمهوره الى العصر الرومنسي من خلال مقطوعة موسيقية لعازف الكمان البارع ”بابلو دي ساراساتي ” والتي كٌتبت قبل عام 1863 .
كلّ الخيارات كانت عالمية ونادرة ومميّزة قبل أن يعود بنا الى معزوفة كاميل سان سانس ” البجعة” و هي الحركة الثالثة عشرة من متتالية “كرنفال الحيوانات” (Le Carnaval des animaux) للمؤلف الموسيقي الفرنسي” كامي سان صانز”. والتي تُعد من أخلد القطع الرومانسية وأكثرها شهرة بفضل لحنها الانسيابي الحزين الذي يصور حركة البجعة الهادئة على الماء.
لا شيء هنا مبسّط ..كل نوتة ..كلّ حركة حتى معزوفاته الخاصة التي ألّفها بنفسه ومنها معزوفة ” البنفسجي المخملي ” و معزوفة ”الساعات ”و”جوقة الغابة” ادّاها بعمق رهيب واحترافية عالمية .



“شبح الأوبرا”
ولإن غيّر العبقري ”يوري يوفيتش” قميصه أكثر من مرّة فانه لم يتانّق باللّباس التقليدي لعازف كمان بل إختار قمصان بيضاء ربّما أراد بها أن تعكس صورة شخصيته ..رغم إختلاف تصميماتها .
ويقطع حبل أفكارك واحدة من معجبات ”يوري يوفيتش ” لتؤكد لك بصوت خافت أنها قدمت وزوجها خصيصا من ولاية سوسة التي تبعد حوالي سبعون كيلومترا عن مكان الحفل لتستمتع بالعرض الذي سبق أن حضرت عرضا له مماثلا السنة الفارطة على نفس المسرح وأّن العاصفة والأمطار لم تٌثنيها عن القدوم.
قبل أن يعزف لجمهوره مقطوعة ” شبح الاوبيرا ” المعزوفة المأخوذة من أشهر مسرحيات الموسيقار البريطاني ” أندرو لويد ويبر” وكانت عٌرضت لأول مرة في لندن قبل 40 عاما . ها هي اليوم تجد طريقها الى ركح ” قصر الجمّ ” مستوحاة من رواية ”غاستون ليرو” التي تدور أحداثها في أوبرا باريس حول شبح وجهه مشوه يعيش في الأقبية ويقع في حب المغنية الشابة كريستين بينما هي تحب صديق طفولتها راؤول .
سراديب للمتاهات
هنا وانت تستمع الى ” يوري يوفيتش” يٌعتقد إليك أنك ترافق الرواية في سراديب هاته المتاهات .لتكتشف فيما بعد أنّك تجلس الى قصر الجمّ بالمهدية بتونس..تونس التي دوما ما يخذلٌها أبناؤٌها ويشوهٌون صورتها ووجهها عمدا ويتناحرون على أطلالها من أجل الفتات …
ولا أحد فيهم فكّر في تأريخ بواطنها ولو افتراضيا اذ يقٌول التاريخ حسب بعض المؤرخين أّن السكان الأصليين للمنطقة استعملوا متاهات ”قصرالجمّ” أيام الحروب الأولى طريقا و لجوءًا إلى قرطاج والى البحر.
… وتستذكر ”مسرح قرطاج الأثري ” وانت تستمع الى ” يوري يوفتيش ” الذي يحتفي هو الاخر باخر عروضه الموسيقية ضمن ” مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين ” بالمطربة اللبنانية ”إليسا ” التي اعتلت المسرح لتٌعلن أّنها سعيدة يتشبيه السفير اللبناني الذي كان حاضرا في هاته السهرة لها ب” عليّسة ” التي تقول الأسطورة انّها مؤسسة قرطاج ..

تاريخ ال7000 عام
تشبهّت المغنّية ” إليسا” بعليّسة ” التي جاءت من لبنان ومن مدينة ”صور” فاّرة من شقيقها طلبا للأمان ..ناسية او متناسية ان عليسة لم تدخل تاريخنا المجيد الا من خلال خدعة جلد الثور التي أرخها مؤرخون ربما يكونون من منتصري الحرب وليس من مالكي الارض وان كانت ”عليسة” ألقت اليهم ”بجلد الثور” ف”إيلسّا” ألقت اليهم هديتهم الزنّار الفلسطيني لتعيده الى الجمهور الراقص .
فتونس التي تزخر بالتاريخ والجغرافيا وعاصرت الاف السنين ..وحدها الحضارة القبصية تتجاوز ال7000 عاما .. لم تكن تنتظر تاريخ 3000 عاما لتكون هي التاريخ .
وتتخذّ قراراك بالغاء كلّ ما يُمكن ان يعكّر صفو خلوتك مع العبقري ” يوري يوفيتش ” وأن تستمتع بالمعزوفات فقط . يُمكنك أن تسافر معها الى العصر الرومنسي كما يمكنك ان تقتحم أقبية متاهة ”دار أوبرا باريس ” ضمن صفحات رواية ل” جاستون ليرو”
كما يٌمكنه أن يٌعيدك الى ”رٌوميو وجوليات” ومؤلفات ”شكسبير” من خلال معزوفة ”ليونارد برنشتاين ” وإسمها ” اللّيلة ” والتي كتب كلمات أغانِها ” ستيفن سوندهايم ”.
فأنت هنا لا تستمتع بسماع العزف فقط بل تستعيد من خلال العرض قصص وروايات ومسرحيات خالدة عبر التاريخ ..ضمن إطار تاريخي هو الاخر وأنت تجلس الى حجارة لو إشتكت للزمن .. لذرفت دموعها انهارا ..وتتفحص تفاصيل قصر روماني يعتبر هو الثالث عالميا وكأكبر بناء أثري روماني في إفريقيا.
” كُولُوسِّيُومْ تِيسْدْرُوسْ ”
في حضرة قصر الجّم أو هو “كُولُوسِّيُومْ تِيسْدْرُوسْ” الذي يؤكد التاريخ والحاضر أنّه البناء الخالي من الهفوات الهندسية .. أمتعتنا ” جمعية مهرجان قصر الجم للسمفونيات” بهاته الليلة الرائعة التي أبت فيها الطبيعة إلاّ أن تشارك حضورها نسمات عليلات وقطرات ندى كنداء إستغاثة .. فهي تستحق اكثر من مهرجان صيفي.. حيث فرضت الطبيعة طقوسها وألزمت الجميع بقوانينها .. وألغت الاكسسوارات والديكورات .. ولم تُبقي لنا .. إلا المعزوفات والنوتات ..
ترٌى كيف سيكون قصر الجمّ ملتحفا في احتفالات ” تونس عاصمة للثقافة العربية لسنة 2027 ” تونس ال7000 عاما من الحضارة القبصية ..
نعتقد أنّه يحتاج الى دعم أكبر وإهتمام أكبر أيضا ليكون فعلا منارة إفريقيا …
لا نحتاج تأريخا جديدا للنكسات ..لنا من التاريخ ما يمكن أن يكون واجهة عالمية للسياحة الثقافية بعيدا عن سمسرة الأوطان .







