أخبار ثقافية

بينالي الصورة المتحركة في تظاهرة  “جّو تونس” 2026/ من 24 أكتوبر الى 22 نوفمبر ..كامل البرمجة

بينالي الصٌورة المتحركة 
«أن نٌصبح محيطا»

قشلة العطارين، المدينة العتيقة بتونس

صفا-نيوز/تونس

في تونس، حيث يفتح البحر طريقه إلى البر، وحيث كان العبور جسرا بين الحضارات والثقافات، تنطلق قريبا تظاهرة فنية جديدة ومختلفة.

فمن بين أسوار المدينة العتيقة وأزقتها التي حفظت خطى التجار والرحالة والعلماء والحالمين، يطلّ مشروع ثقافي استثنائي يحمل عنوان “أن نُصبح محيطا”.


قبل أقل من شهر على انطلاق الدورة الثامنة لـ «جو تونس»، بدأ بينالي الصورة المتحركة (BIM’26) في الكشف عن ملامحه والبوح بأسراره.

وتنتظم هذه الدورة بالشراكة بين مركز الفن المعاصر بجنيف ومؤسسة كامل الأزعر، في محطة جديدة تعكس عمق التعاون بين المؤسستين وطموحهما المشترك إلى تأسيس فضاء مستدام في إفريقيا يُعنى بالإنتاج الفني والتفكير النقدي وتعزيز الحوار العابر للحدود حول الصورة المتحركة.

ممّا يسهم في بناء جسور التواصل بين مختلف مناطق وجغرافيات «الأغلبية العالمية». وفي هذا السياق، تؤكد لينا الأزعر أن «استضافة بينالي الصورة المتحركة في تونس تتجاوز مجرد الاحتفاء بفنون الصورة المتحركة، فهي تمثل فرصة حقيقية لتعزيز قدرات الفاعلين الثقافيين والتقنيين المحليين الذين يعملون في ظروف غالبا ما تكون صعبة ومعقدة. وإلى جانب الأعمال الفنية التي سترى النور في تونس، يساهم البينالي في بناء شبكة واسعة تضع أصوات الأغلبية العالمية في صميم رؤيتها.


وسيظل أثرها حاضرا ليس فقط من خلال الأفكار التي تطرحها، بل أيضا عبر الأشخاص والممارسات التي تنشأ وتتطور في محيطها». ولأول مرة في تاريخه، يغادر بينالي الصورة المتحركة (BIM 2026) سويسرا في استثناء مهم يعزز قيمة الحوار الإنساني والتبادل الفني بين الشمال والجنوب. وفي تونس، سيتخذ هذا البينالي شكل معرض فني وبرمجة فنية للعموم وإصدار مشترك، قبل أن يواصل رحلته إلى مدن أخرى هي البندقية وبروكسل وجنيف ولندن.


يشكّل هذا التعاون العابر للقارات فصلا جديدا في المسيرة الممتدة لأكثر من أربعة عقود لبينالي الصورة المتحركة (BIM). فمنذ تأسيسها في جنيف عام 1985، كانت التظاهرة من بين أولى المنصات الفنية والمبادرات الرائدة التي منحت الصورة المتحركة مكانتها كحقل فني مستقل.

ومنذ عام 2014، تبنّى البينالي توجها جديدا يقوم على تشجيع الفنانين على إنتاج أعمال أصلية بدلا من الالتفاف حول موضوع موحّد أو ثيمة جامعة. وهو خيار يراهن على تعدّد الرؤى وتنوّع المقاربات الفنية، ويمنح لكل عمل مساحة خاصة للتعبير عن أسئلته الجمالية والفكرية في احتفاء دائم بتعددية الأصوات والتعبيرات المعاصرة.

ستّة عشر فنانا وستّة عشر إنتاجا جديدا


تحت إشراف لينا الأزعر وأندريا بليني، يجمع معرض “أن نُصبح محيطا” ستة عشر فنانا وفنانة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومن مجتمعات الشتات (الدياسبورا). وقد تم إنجاز جميع الأعمال خصيصا لهذه الدورة، بما يجعلها أشبه بورشة عالمية كبرى للإبداع والتأمل.
وسيحتضن هذه التجربة فضاء “قشلة العطارين”، الثكنة العثمانية التاريخية التي تقف منذ القرن التاسع عشر في قلب المدينة العتيقة بتونس، شاهدة على تحولات سياسية واجتماعية وثقافية متعاقبة وعميقة. سيكون الجمهور على موعد مع هذا العرض البصري الشيّق ابتداءً من 24 أكتوبر وحتى 22 نوفمبر 2026.
ومن الأسماء التي تضيء شاشة البينالي: تبارك الله عباس ويونس بن سليمان ومنى بنيامين وس. أ. تشافاريا ولينا حبيب الله ورومان سليم خير الدين وزين مجالي وعلاء منصور وباولو نازارث وديان سيفيرين نغوين وليف شولمان وهيلدغارد تيتوس وناتاشا تونتي وكاستيل فيتورينو برازيليرو، إلى جانب الثنائي هاجرا وحيد وسارة زرياب.

يقول أندريا بيلّيني: «قد تكون هذه المجموعة الأكثر تنوعا في تاريخ بينالي الصورة المتحركة حتى اليوم. فالحضور القوي لفنانين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب مشاركة ثلاث عشرة فنانة من أصل ستة عشر فنانا، يعكسان توجها واعيا نحو إفساح المجال أمام أصوات جريئة ومتعددة. وفي
هذه الأزمنة القاتمة، يحمل هذا الاختيار رسالة قوية تؤكد تصميمنا على الدفاع عن تعددية الرؤى والتجارب الفنية».

“أن نصبح محيطا”: عبور فلسفي نحو المجهول


ينطلق معرض “أن نصبح محيطا” من تساؤل عميق حول تلك اللحظات التي لا تكتفي فيها الأنظمة السائدة بالتراجع، بل تتصلب وتشتد حدتها ما بين حدود تُغلق، وأجهزة رقابة تتوسع، وأزمات بيئية تتسارع، بينما يعود الفكر الاستعماري للظهور بأقنعة جديدة.
من هذه اللحظة الحرجة والمفصلية، يرسم معرض”أن نصبح محيطا” رؤيته الفنية. إنه يغوص في المساحات التي تتوقف فيها المرجعيات الموروثة عن منحنا الأمان، بينما يبدو المستقبل غائما وصعب المنال.

يستلهم عنوان المعرض روحه من نص يُنسب للكاتب والشاعر اللبناني جبران خليل جبران، حيث يتوقف النهر أمام البحر متخوفا من فكرة الذوبان فيه وبالتالي الزوال والتلاشي. قبل أن يكتشف النهر أنّ ما ظنه نهاية ليس سوى بداية أخرى أكثر اتساعا وأرحب آفاقا. فالعبور هنا لا يتطلب المحو أو الفناء، إنما يتطلب الشجاعة في تجريب صيغ جديدة للظهور والوجود. في توظيف لهذه الصورة الشعرية والرؤية الفلسفية، تلتقي الأعمال المشاركة عند هدف تفكيك أسئلة عصرنا الراهن على غرار: الحدود التي تُغلق، وأنظمة المراقبة التي تزداد، والأزمات البيئية التي تتسارع، وأشكال الهيمنة التي تعود في أشكال جديدة. ففي عالم يتغير بعنف، تبدو البشرية وكأنها تقف على عتبة بحر مجهول، لا تملك إلا أن تعبره.

أجساد تتذكر… وأمكنة تتكلم


في الأعمال المعروضة، تتحول الأجساد إلى خزائن للذاكرة، والمناظر الطبيعية إلى وثائق حيّة، والحكايات إلى تيارات خفية تجري تحت سطح الواقع. فالفنانون لا يروون التاريخ بوصفه ماضيا منتهيا، إنما باعتباره قوة ما تزال تشكّل الحاضر وتعيد رسم المستقبل.
وتطرح الأعمال سؤال الترابط الإنساني في مواجهة عالم بنى حداثته على الفصل والتقسيم بين الشعوب وبين الثقافات وبين الإنسان والطبيعة. وفي مواجهة هذا الإرث، يقترح المعرض رؤية أخرى ترى في الترابط والاعتماد المتبادل شرطا أساسيا للاستمرار والبقاء.
ففي عالم لم تعد
ففي عالم لم تعد فيه منظومات وبُنى الماضي قادرة على علاج الأزمات التي تسببت هي فيها، لا يغدو
التحول مجرد حل جاهز، إنما طريقة حياة وممارسة مستمرة. وهي أن نحمل ذاكرتنا معنا بوفاء، ونحن
نخطو بثبات نحو علاقات وأشكال وجود لم نكتشفها بعد. هي أن يصل النهر إلى البحر وهو يحمل كل ما كان عليه. فالعبور لا يعني الاضمحلال، بل امتلاك الشجاعة لنواصل التدفق وإن تغيّر مجرى الماء.

منتدى «أن نصبح محيطا»


الاثنين 26 والثلاثاء 27 أكتوبر2026 – سينما الريو
ينطلق بينالي الصورة المتحركة «أن نصبح محيطا» من تشخيص مفاده أننا نمرّ اليوم بما يمكن وصفه بـ«انتفاضة انقراض»، أي لحظة تتكثف فيها الأنظمة السياسية والتاريخية والتكنولوجية والمعرفية لأنها تقترب من الحدود القصوى لقدرتها على تنظيم العالم وترتيبه.

وعلى مدى يومين، يجمع المنتدى فنانين وكتّابا وباحثين ومفكرين في الشأن السياسي، لطرح سؤال أساسي: ماذا يحدث عندما تعجز البُنى الموروثة عن الصمود والاستمرار؟ وأي أشكال جديدة من المعرفة والعلاقات والاستشراف السياسي ينبغي ابتكارها استجابة لذلك؟ ويتناول المنتدى أربعة محاور مترابطة هي: النظام الدولي والذاكرة والذكاء والحقيقة.

قشلة العطارين… من ثكنة إلى نافذة فن معاصرة

لم يكن اختيار “قشلة العطارين” ليحتضن المعرض محض صدفة. فهذا المبنى الفريد من نوعه في حوض المتوسط والذي عرف على مدى قرنين أدوارا عسكرية وسجنية وتعليمية قبل أن يصبح فضاء ثقافيا، يختزن في حجارته طبقات من الذاكرة لا تقل ثراءً عن الأعمال التي سيحتضنها.

وخلال أسابيع التظاهرة، ستدخل هذه الذاكرة التاريخية في حوار مع الصورة المعاصرة، ليصبح المكان نفسه جزءا من السردية الفنية. فالماضي هنا لا يُستحضر بوصفه حنينا، إنما بوصفه مادة حيّة تُستخدم لفهم ما يحدث اليوم واستشراف ما قد يأتي غدا. من 24 أكتوبر إلى 22 نوفمبر 2026، ستتحول المدينة العتيقة إلى فضاء فني ورمزي تتقاطع فيه التيارات والأصوات والذكريات. وبين النهر الذي يخشى الذوبان في البحر وعالمنا الذي يقف على تخوم تحولات غير مسبوقة، يفتح معرض “أن نصبح محيطا” نافذة على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أحيانا لا يكون الخلاص في التمسك بالشاطئ، إنما في امتلاك شجاعة الإبحار.

الحدث: بينالي الصورة المتحركة “أن نصبح محيطا” – جّو تونس 2026
الموعد: 24 أكتوبر – 22 نوفمبر 2026
المكان: قشلة
العطارين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »