جاكارندا كما رأيتها / أو المسرحية ذات الوجهين التي يفتتحٌها الجرس ويُنهيها نعيق الغربان

صفا-نيوز/تونس – سميرة الخياري كشو
هل أنت أخرس أم أنك فقط فاقد لصوتك ..؟ لكنك لا تٌدرك أن صوتك غير مسموع لا شيء يحمل صفة الحقيقة قبل ان ينطلق الجرس ..ولا تُنار تلك الاشارة الخضراء لمنفذ الخروج الا مرة واحدة لتستعيد لونها الاحمر الى الأبد …قبل أن يكتشف الجميع انهم لم يكونوا في حالة صم بل كانوا خٌرسا بألسن مقطوعة …لم يتلوثوا برائحة الدم الا بعد الاستفاقة من حضرة الصدمة..
.. ليرّن الجرسُ مرّة أخرى وأخيرة ..تسمعه بداية ونهاية الى مشهد أول وكأّنما الفسخة انتهت من جولتها الاولى وما يليها ليس الا صراعا داخل ذاك المكان المُغلق بشخصياته المتناقضة لا يٌنهيه الا نعيق الغربان.
بين ”تانيت قرطاج” و”كول سنتر” الاقرب الى loi 72 وبين مملكة لا تتشكل الا بكياناتها الثلاث أولنقل في خضم وطن يتصارع مع أذرعه .. أنت لا تدري أيضا هل أنت تواكب شخصية ”الكلاعي” المنقلب أم ” كلوديس” …ملك الدمار.
لا تعلم بعد هل أنت في حضرة جويدة ؟ أم تستعيد جبروت ” جرترود” ؟
هل أنت فعلا داخل شخصية ”هارون” أم أنت تكشف وجه ”الدولة العميقة” في صراع بين ” نظام جديد ” و” نظام آيل للسقوط ”.
هل أنت في عرض محلّي الصنع ؟ بسيط السرد والرواية أم في حضرة المملكة التي لن تكون الا بكياناتها الثلاث .

أنت تعلم فقط انك دخلت عرضا محليا لمسرحية عنوانها ” جكرندا ” نبتة ترمز للتفاؤل والحظّ الجيّد ..ولما لا لمستقبل قد يكون أفضل … لكنك تندفع الى غرور كاتب العرض الذي يسمو بك الى مرتبة أخرى من كراسي الجمهور ..وكأنما يريد أن ينتزع منك ثقافتك الداخلية لتستردها الى العلن ..كمن يستعرض عظلاته الفكرية أنّه يمكنه أن يُدخلك الى عالمه الخاص ويتجوّل بك الى تاريخ المسرح وأن التاريخ ليس الا مسرحا متجددّا ونحن لسنا الا مجردّ أدوات ندور في نفس الفلك .
ويُغامر بدفعك الى المشاهدة ..مشاهدة جاكرندا القرن الواحد والعشرين التي تحمل في داخلها نواة القرن القرن السادس للميلاد ..ويُعلمك سرّا لا جهرا أن اختياره للعناوين لم يكن إعتباطيا ..وأن أسماء شخصياته ليست مجرّد أسماء ..وأّنه يمكنه هو الاخر أن يجعلك تُعايش أكثر من مسرحية داخل عرض واحد ..
هنا لا يمكنك أن تُميّز بين ” القماط ” و ” الكفن ” فكلاهما يحملان نفس اللّون نفس الترتيب ونفس الزينة هما فقط يشكّلان البداية والنهاية .

لا يُمكنك ان تميّز فضاء ” الكوول سنتر” عن خبايا الوطن ولا عن خبايا مملكة القرن السادس للميلاد ..حيث تُحاك الدسائس والنميمة وتنقلب المفاهيم وتُنصب القرابين حين يتحدث عن ” الخروف على الطعام” ..ولا عن الصّبار الذي يحتل مذبح ”العشاء الأخير”.
عليك أن تدخُلها بوجهها المكشوف في مشاهد تحيلك الى قصّة بسيطة كقصص عمّال الحضائر التي تمتلأ بهم صفحات الاحتجاجات اليومية بحثا عن عقود عمل دائمة أو مناظرات وطنية …أو وقفة احتجاجية لعملة ” مركز نداء ” ينتظرون مرتباتا شهرية لا تحمل تأمينا صحّيا ولا منحة إنتاج .
ووجهها الاخر الملفوف في قصص الماضي والاساطير بين شكسبير والعشاء الاخير ..
أن تكون بين ” كلوديس” الملك الٌمستولي على العرش وبين ”الكلاعي” ابن الهويةّ الرقمية المحلّية …وبين “الزاوق” الغارق في قذارة ”الكول سنتر ” وصوته يتحدث عن ”مملكلة النوردية ”…ولا كيف تحولت الملكة ” جرترود” الى جويدة التي تحتمي الى حارسها الشخصي المتخفيّ هو الاخر في بدلة شاذ جنسي.
عليك أن تكون متفرجا الى عرض يحمل في أسطر سيناريوهاته كوميديا سوداء وأن تكون مثقلا ايضا بثقافة طلابية وتلمذية مغموسة في كتب المطالعة وحصص اللغة العربية .
كيونونة كلمة واحدة
فكاتب العمل اختصر مشاهدا برٌمتّها في كيونونة كلمة واحدة..وكانما يختصر العرض الى مستوى معيّن من نخبة الحضور ..لا يمكنك أن تستمع بالتفاصيل وانت تجهل مأساة ”هاملت ” ..
إختصر منظومة الغدر والخيانة والجشع والتخلي عن الانتقام والأخذ بالثار في صرخة ” لست هاملت” .
هنا وكانما عليك ان توقف الزمن وان تفتح ادراج عقلك لتسترد اسطورة شكسبير و ” كلوديس” وتتواجه مع شخصية ” جرترود” الأم الملكة ‘وانت في ذات الوقت تواكب المسرحية مسرحية محلّية عناوينها محليّة وأوجاعها محليّة وحتى تراجيديتها محليّة .
...فأنت لست في الدانمارك ولست في القرن السادس للميلاد …أنت هنا في القرن الواحد والعشرين ..في عصر التكنولوجيا ..ومنظومة مركز إتصال ”الكول سنتر” التي تجمع بين الكوادر البشرية والتقنية لإدارة تفاعلات عملاء من خلف أجهزة هاتف مرتبطة الى كل أذن عامل … دون عمل قار .. يستبدلونه كل موسم …كما تستبدل نبتة الجاكارندا أوراقها المتساقطة على مدار العام ….
يجلس الى كرسي قد لا يكون متحرك امام شاشة حاسوب… لا يغادرونها الا بالام في السمع والتهابات في العمود الفقري .. حالهم كحال الوطن . من داخل منظومة تحمل في خلاياها نظام ضريبي مفيد لشركات التصدير للخارج ومخربّ للداخل .….
“لستُ هاملت ”
هنا يعود ”هارون ” لك الحريّة كيفما تراه ..هو يرى نفسه “ليس هاملت ” لينتقم لموت أبيه ولا لاستيلاء عمّه على العرش ..لكن هارون نفسه يحمل عنوان معجزات تحويل الانهار الى دم وكان هو فصيح الكلام عوضا عن شقيقه الذي يشتكي من عدم قدرته على الكلام.
لكنه” ليس هاملت” ..في مواجهة الادارة العميقة ولا في الانتقام ولا في مواجهة جويدة الامّ .
وتعود الى فصول المسرحية تشاهد الكلاعي وجويدة وعملة ”الكوول سنتر ” ومعاناة عاملة التنظيف التي تغيّر شخصياتها كما تغّير ثوبها الأحمر حيث تغتسل من نفس الوعاء الذي ترفع به قذارة الأحذية التي تتحرك داخل فضاء ”الكوول سنتر ”.
صراع ونميمة وتحرشّ ومعاناة ولا يُنار منفذ الخروج وكانما الجميع عالق داخل هاته الرقعة عاجزين عن بلوغ مرحلة تزكية المالك الجديد ” للكوول سنتر ” لا أجراس تُدق ولا إحتفالات تُعلن ..الا صوت نعيق الغربان الذي يملأ الاجواء ..
الكل عالق …لكن هاته المرّة لا تكون العيون مشوشة بل معصوبة العينين ولا تتجّمل الأنثى ولا تُلاعب أصابعها لعبة التارو بحثا عن قارئة للمستقبل ..بل تتسلّح بمقص لتقطع لسانها ..ليلوّث الدم سترتها ..وتختار الخرس مسبوقا بالعمى ولا تواكب تساقط اوراق الجاكارندا ولا ترى الوانها التي كانت هي الأخرى تتشابه الى لون الدم .
ويخيّم الصمت …
كناّ خرسا …دون أن ندري وإنتهى بنا المطاف الى أن نختار أن نكون خرسا الى الأبد ..فمن يقطع لسانه لا يسترده أبدا ..حتى وإن ألغى غمامة العين .
فلا ”هارون ” مارس دوره ولا جويدة قُتلت بالسمّ ولا رحل ”الكلاعي ” ولا أقيمت مراسم التأبين على مذبح العشاء الأخير الذي لم يزيّنه الا الصبّار وحضور ساحرة الشرّ .
لا شيء من هذا يحدُث ..هل أنت داخل تانيت ” حامية قرطاج ” أم تستعيد مجد مؤلفات ” شكسبير” الذي لا يموت .
أنت فقط عليك أن تُعيد المشاهدة لأكثر من مرّة بحثا عن بصيص أمل فتساقط أوراق الجاكرندا لا يُنبئ أبدا بنهايتها ..بل هو إعلان لأوراق جديدة قد تنبُت هي الاخرى لتزّين الوطن …قبل أن تسقط من جديد ..لكن بلسان مقطوع ..والى الأبد … فجرس نهاية العرض دُق من الجولة الاولى ..والمسرحية أعلنت نزول الستار في فصلها الاول قبل بداية العرض.







