أخبار ثقافية

ضمن ” ذاكـــــــــــرة تعيـــــش” / عرض ” ماريزا” روح البرتغال القديمة  تعزف صمت ”الفادو” على ركح الحمّامات الدولي

صفا-نيوز/ الحمامات – تونس / سميرة الخياري كشو

الصمت في حضرة ”الفادو” طقوس ولو كنت غير متعود على فنّ الاصغاء

فإن عرض ”ماريزا ” يدفعك الى الإصغاء  والسفر والتعايش مع طقوس تٌجبرك على تعلّمها…حيث تٌمنع فيها الاضواء الساطعة والحديث ولو ثنائيا مع مرافقي الجوار وإحداث الجلبة أو إستعمال الهاتف الجوال …لا داعي لأن يٌذكرك أحد بهذه التعاليم ..وحدك تجلس الى الهدوء الى ”الفادو” أو الموسيقى التي  عليك أن تلتزم ببنودها حتى تتمكن من الاستمتاع بنوتاتها ..

تحضر عرضا للفادو ولأول مرّة في تونس  فرصة قد لا تكرر في القريب العاجل عرض مميّز من ضمن عروض مهرجان الحمامات الدولي في احتفالياته بالستينية ..وكأنما اختار لنا برمجة تلّخص كل دوراته السابقة ضمن ستون عاما من الحضور لتنمية الثقافة ومنح الفرصة للسفر الى كل دول العالم لاكتشاف الثقافات الموسيقية وأنت تجلس الى ركحه …

فنّ الإصغاء

سهرة الفنانة البرتغالية “ماريزا” لمساء السبت 1 أوت 2026 على ركح مهرجان الحمامات الدولي بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات التونسية. أقيم على هذا الركح الذي يحتفل بستينية انشائه حيث صدح ”الفادو” البرتغالي   بصوت الفنانة ” ماريزا ”  وسط هدوء وسكون والتزام بالطقوس التي يتطلبها العرض ..

عرض تخلّت فيه الفنانة عن المصدح في البعض من فقراته ..وغّنت بصوتها وحده ليٌذهل الحاضرين من الجمهور الذي امتزج بين جمهور محليّ جاء خصيصا لمشاهدة ” ماريزا ”   وأخر جاء ليكتشف فن الفادو مباشرة ..وبحضور عائلة برتغالية انتشت بالعرض لتٌعلن تواجدها ضمن الحضور هي الاخرى .

لا بهرجة أضواء ولا ديكورات وكأنّما تعود مع ” ماريزا ” الى أوائل القرن التاسع عشر ” ماريزا أحد أبرز فناني الوجوه المعاصرة التي جددت في موسيقى الفادو ودمجته مع إيقاعات حديثة دون المساس بهويته الشجية رغم تخليها عن الوشاح الأسود الذي يميّز مطربي هذا اللون من الموسيقى .

حين يكون الضوءٌ شريكا في سرد الحكاية

رحلة ساعتين من الفنّ البرتغالي التقليدي ..زمانا هي ساعتين ومكانا كان سفرا سحريا ورحلة في الخيال عبر ”عالم الفادو” من خلال الصوت و السينوغرافيا التي اختارت التقشف البصري وجعلت الضوء شريكا في سرد الحكاية .. وكانما هو التزام بطقوس موسيقى ” الفادو ” واحتراما لخصوصياته ..فهو في نهاية الأمر الرّمز الفني الأول وروح الهوّية الثقافية لدولة البرتغال.

الغناء الشعبي البرتغالي

يٌقال أن هذا  اللون الغنائي الشعبي وُلد في أحياء العاصمة لشبونة الفقيرة  ويتميز بكلماته الغارقة في الحزن الشديد والحنين والالم ..لكن حضور ”ماريزا ” الركحي جعله أقرب الى ركح أركستر سمفوني لا ترى فيه الا أميرة  تقف اليه غناءا  وتتخلى عن كل ما يرتبط بالتكنولوجيا  وترفع صوتها عاليا مؤديا الكلمات ..حتى وان كٌنت تجهل  اللغة البرتغالية ..فانه يٌمكنك أن تستشعر جمالية مخارج حروفها وقوّة نغماتها …

 لا شيء هنا مزيفّ …

لا إبهار بصري ولا راقصات يملأن الركح ..ولا ضوضاء …هو فقط الحضورالصوتي ..والمتابعة في صمت …وكأنما ” ماريزا ” تقاسمت ادوار العرض مع الجمهور مسبقا إذ كان توزيع المشهد كافيا لفهم طبيعة السهرة …

غنّت دون مصدح وأطربت دون عزف مٌوسيقي 


  غنّت ” Estranha Forma de Vida” وتحدثت الانجليزية وهي تقدم  أغنية “Amor”  من ألبومها الجديد  ومزجت بين كلمات ترحيب بالفرنسية ثم تحدثت بلغتها الأم لتقرأ من كلمات أغانيها .. قبل أن تتقاسم النوتات مع الغيتارة البرتغالية…

وانت تستمع اليها و تتابع حركاتها الى الركح لا تدري ان كنت تسمتع الى الحكايا وسط مقهى شعبي برتغالي ذو ضوء خافت اخر الليل في صمت رهيب ..أو أنك تشاهد عرضا موزنبيقيا حيث سردت ” ماريزا ” مكان ولادتها ..والبعضا من حياتها.. وكانما تخرج بالجمهور من عرض الى عملية تقارب ساهم في جماليته البنية التحتية لمهرجان الحمامات الذي يتمتع ببعض الخصوصية حول الحميمية بين خشبة العرض ومقاعد الجمهور.غنّت دون مصدح وأطربت دون عزف موسيقي ..وسردت حكاياتا حول الحب والغياب والحنين والبحر..



ومن بين الأعمال التي قدمتها خلال السهرة، اختارت أن تجمع بين أغاني شكلت محطات بارزة في مسيرتها وأخرى من ألبومها الجديد، محافظة على خيط موسيقي واحد تدور محاوره حول الحب والغياب والحنين والبحر وهي المفردات التي صنعت هوية ”الفادو”

” ذاكرة تعيش ”

”الفادو” لم يكن فقط عرضا موسيقيا لمهرجان دولي صيفي ..بل كان سفرا ثقافيا ضكم رؤية ” ذاكرة تعيش ”  شعار ستينية  مهرجان الحمامات الدولي التونسي ..وكأنّما هو الاخر يشارك اليونسكو قراره في إدراج هذا اللون الموسيقي ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.

فالفّن هو تاريخ الشعوب .. والموسيقى يٌمكنها أن تكون التاريخ والجغرافيا لا نحتاج فيها الى ترجمة للكلمات ..فنبرة الصوت وحدها نقلت أحاسيس ما يٌمكن للكلمات أن تعجز عن قوله ..لا يهّم ان كنت لا تتُقن اللغة البُرتغالية ..فنحن شعب قد نواكب عروضا بالعشرات دون ان نتمكن من سماع صوت المطرب أو فهم كلماته خاصة اذا دخل في هستيريا الرقص مع مضّخمات صوت مهترئة…

  نحن شعب تدرّب على الصدمات في استقبال العروض الفنيّة ..لذلك حين نجلس الى فنّ أصيل ..والى صوت مطرب حقيقي ..فنحن يُمكننا أن نستشعر الكلمات ..ونتحسس النوتات ..

إعلامنا وفنّ الإصغاء

”ماريزا” أو هي واسمها الأصلي  البرتغالي ” ماريسا دوس ريس نونيس كوميه ” مطربة ” الفادو” الاولى عالميا والتي تؤدي ” الغوسبل” و”السول” و” الجاز” والتي باعت أكثر من مليون أغنية مسجلة في جميع أنحاء العالم والمتحصلة على نيشان الأمير هنري من رتبة قائد وعلى جائزة لوسو الإسبانية للثقافة …

تغيّب عن عرضها الاعلام التونسي والصحافة الثقافية التونسية الا من عدد قليل من الصحفيين الذين قدموا خصيصا لاكتشاف هذا ” الفنّ” مباشرة والاستماع اليها  في فرصة قد لا تُسنح مرّة أخرى  داخل تونس ..لالتزامات الفنانة بجولاتها العالمية ..حيث كانت برمجتها مخطط لها قبل 7 أشهر من تاريخ العرض …وقد لا تٌتاح فرصة متابعة عرض لها خارج تونس لتكلفته العالية …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »