متفرقات

رواية / الفصل الاخير

سميرة الخياري كشو

تخيّل وأنت تتدبرّ الفصل الأخير من الرواية ..وتتنمّق في إخراج التفاصيل ..وتوزع الأدوار بما تراه يتماشى ونسق التاريخ وخطوط الجغرافيا ….تدير الحرب المعلنة والحرب الخفيّة .

ترتبّ حركات الجنود ..وتوزع المناصب والأهداف ..وتتفنن في اختيار الشخصيات بعد ان تكون رسمت جبهة للقتال ..تكون فيها دوما أنت الفائز ..

ترتب حدودا لساحة المعركة …وتختار بعناية أزياء الحرب والاكسسوارات وطواقم العابرين والكمبارس ومصمّمي الرقصات ونحاتي السيوف ..

. …تتفاجئ بكون الشخصيات التي صنعتها للرواية .. يغادرون ثنايا الأسطر والكلمات ويتمّردون على فصولها .مدعيّن أنهم تحولوا الى أبطال يمكنهم التمرّد ومغادرة وثائق أرشيفك المهترئ بحثا عن عالم أكثر اشراقا وعن أدوار أكثر حداثة ..

يريدون لباسا افرنجيا وأحذية ايطالية الصنع وساعات رولاكس …وبدلات فرنسية ..وشامبوهات وكريما للوجه من أغلى الماركات العالمية ..والتي تعرض الى واجهة محطات العبور عبر المطارات الدولية ..وقوارير عطر فاخرة ..ولما لا مرافقات حداثيات يتمتعن بأحمر شفاه وردي وأظافر مزيفة وأحذية بكعب عالي ..وأجهزة هواتف عالية الجودة …وضحكات هستيرية ..

.فلا الملك بات راضيا بمنصب الملك ..

ينتابه الجنون المفاجئ يغادر كرسي العرش بحثا عن أزقّة لا تعمل فيها الأضواء ليلا ليتبوّل الى الجدران مرتعبا من أصوات دق طبول الحرب ..معتقدا أن الدور الذي اخترته له لا يتماشى وطموحاته الرومنسية ..في الحصول على جواري يطربنه مساءا ..وشهرزادا تقص عليه كل فجر قصة جديدة من الف وليلة وليلة….

ولا الأمير قابل لتولي مهام وليّ العهد ..ويريد لنفسه مملكة خاصة وفريقا للماكياج .وتيجانا وخواتم من الزمرد وطواقم من الألماس ..وألوانا للزينة ….وخصيانا لا يخضعون لقوانين القبيلة …

يرفض قبول التعليمات وأداء التعاليم وممارسة الطقوس مما يضرّ بنسق الأحداث في الرواية … ويربك تصنيفها ..

ولا قائدا للجيوش توفّق الى سيفه ..والتزم بضوابط الكلمات ..تعلن حربا تصنع ساحة للحساب ..ترسم خطوطا للعدو ..تختار شخصياتها بعناية ..وتوزع عليهم الأدوار بحسب ما تراه صالحا للحبكة الدرامية وانت تترشف فنجان قهوة الى مخطوطتك وكأنما ترتبّ رقعة شطرنج في مساء فجر بارد تنتظر من يجلس اليك لمواجهة اللعبة ….

تستعمل فيها كلّ مدخراتك المالية والعقلية والطفولية وبقايا أدواتك المدرسية..

وتعتزل عالما بأكمله ..تتفننّ في أدّق التفاصيل ..تصنع عالما من الدمى المتحركة بعضها من طين والبعض الاخر من الصلصال واخرون تجلبهم معك بعناية في اكياس بلاستيكية في كل عملية سفر خضتها في حياتها المهنية ..تعيد احياءهم ..كما تعيد ترتيب أزرارهم ..

بعضهم يحتاج الى ترميم ..والبعض الاخر يحتاج الى طلاء جديد …

وانت في خضمّ كل هذا تحتاج دوما الى أوراق بيضاء ..وأقلام زينة ..لترسم الكلمات وتنحت الصور

لكن لا شيء من هذا يحدث ..

الكل يريد أن يتمرّد على الرواية ..يريدونها قصة رومنسية تتماشى وعصر التكنولوجيا ..حبّ خلف الشاشات ..سيناريوهات من الأكاذيب ..وتواريخ تكتب تحت الطلب ..وصلح مع الجميع ..لا يهمّ من يكون هذا الجميع . المهمّ فقط أن تتمتّع أدوارهم بالهدوء والسعادة ..وروائح العطر وبقايا الكؤوس ..وقصاصات تذاكر الطيران ..ومرافقات مبتسمات وألوان جميلة حمراء وزرقاء وصفراء ولما لا باقات من النرجس البريّ والاقحوان ..

لا يريدون خوض الحرب ..لا يريدون حربا تديرها أنثى بجرّة قلم ..توزع عليهم الأدوار ..في فصول رواية تكتبها تفوح منها أصوات طقطقة السيوف والبارود ..ورائحة الدم ..لا يريدون التعّثر في جثث القتلى وهم ينتقلون من سطر الى اخر ومن فصل الى فصل …

هم لا يعلمون ..ان شهرزادا لم تكن شهرزاد ..وأن توفيق الحكيم أضاف فصلا جديدا للتاريخ ..جعل من شهريار يخسر منصب الشخصية التاريخية التي كانت تميّزه عن باقي الشخصيات في الاساطير .وجعله مجرّد أحمق توهم منصب خليفة للراشدين …

. هم لا يدركون ان كاتب الرواية هو مالكها ..هو مالك حقوق النشر فيها ولا بطل من أبطال الرواية يمكنه أن يغادر سطرا من سطورها الا باذن من منه ..

والا لما يخضعن الأديبات العربيات أبطالهن للاغتيال بين السطور ؟..

كل الأديبات العربيات يقتلن أحبابهنّ بين السطور ..الا هي .. لن تتدبّر له اليوم اغتيالا ولا انقلابا ملفوفا في باقة ياسمين …

هي تريد حربا ..تريد لكل شخصية من شخصيات الرواية ان تعود الى حجمها الطبيعي ..كل شخصية تلتزم بالسيناريو وبالحوار وبمفردات الكلمات …كل شخصية تتقبّل بفكرة الحرب التقليدية وتلتزم ببنود الرواية ..

نحن لسنا في عصر الكتابة الى الجدران ..نحن في زمن نستعيد فيه عافيتنا للكتابة الى الاوراق …ونطبع نسخا كثيرة توزع الى قراءنا …

لا نريد كتاباتا الى واجهات افتراضية تنتهي بانقطاع الكهرباء او النات على الجميع .. نريد كتبا نحملها معنا تسافر الى حقائبنا ..نورثها الى أبنائنا ..ونلحقها بفصول التعاليم المدرسية..

العوالم الافتراضية تبقى افتراضية تنتهي بمجرّد مغادرتها ..

هي فقط تريد ان يستعيد كل بطل من الرواية رشده ..التمردّ على الاحرف والكلمات يربك ساحة المعركة ..الاف الجنود يفترشون الارض .. يحتاجون الى بقايا الاسطر وبقايا الفصول والفواصل والنقاط ونقاط الاستفهام ..يحتاجون الى عنوان للرواية …يحتاجون الى خوض الحرب ..يحتاجون الى رفع رايات النصر وسماع صوت دقات الطبول ..وضربات السيوف وطعنات الخناجر ..ودهسات أقدام الخيول..

مرابض الخيول ماعادت تحتاج الى فرسان يتبجحون بسيوف من الفضّة مزركشة بالشيشخان …

انتهى زمن الفرسان ..انتهى زمن العروض الفرجوية ..انتهى زمن الاساطير ورقصات البنادق وأصوات البارود الوهمي ..واللباس المزركش بالالوان وطقوس الأولياء الصالحين ..وباعة الحلوى واللوبان والبالونات للاطفال …

عذرا قراّئي الأعزاء ..ان تأخر موعد صدور الرواية ..رواية الفصل الأخير ..

فالبعض من أبطالي المزيفين ..تمردوا على القوانين ..أرادوا انقلابا على كتاباتي ..

أرادوني كاتبة بسيطة التفكير وتتسم بالرومنسية تكتب لهم عن قصّة جميل وبثينة أو عنتر وليلى في القرن الواحد والعشرين او عن أمير التقى بعروس للبحر ..ودعته الى عالمها المسحور ليعيش نوما هادئا عميقا ..

هم لا يدركون أني كاتبة أعشق الاستراتيجيات الحربية ..لا أحد من أبطالي رواياتي يمكنه التمرّد على كلماتي ..

عذرا مرة اخرى قراّئي الأعزاء فربّما أخطأت هاته المرّة في اختيار شخصيات الرواية …وربّما أسأت توزيع بعض الأدوار ..

معروف عنّي أنّي أغتال أحبابي بين السطور ..لكن هؤلاء ليسو أحبابا لي ..

لا أحبابا يخذلونك وأنت تخوض حربا حتى وإن كانت الى أوراق بيضاء ..

لكن لا يهمّ فكل أبطال الصفوف الأولى صنعتهم من صلصال مدرسي

ومن بقايا أرشيف مهترئ ..وبعضا من قطع اقتنيتها من الطريق العام من باعة متجولين ..اعتقدت أنه ربّما يمكنني أن أصنع منهم أبطالا لروايتي الأخيرة وأزفهم الى التاريخ .

أسأت الاختيار ..الرهان على بقايا منتجات مجهولة المصدر لا يصنع رواية بحجم أمّة …

لا أحد يتمردّ على كتاباتي …يمكنني أن أعيد كل الى حجمه الطبيعي ..القادمون من الصلصال اليه يعودون لاعيد تشكليهم ..لكن هاته المرة بالحديد والنار ..

المصنوعون من بقايا الارشيف لا أحتاجهم ..لا أحتاج حتى ان انزع عنهم نياشينهم ولا تيجانهم ولا سيوفهم المهترئة ..لأنني في كل الحالات اتخذت قراري بارسالهم الى مزبلة التاريخ …

أمتلك قلما وأوراقا بيضاء ..يمكنني صياغة رواية جديدة ..وكلمات جديدة ..واختلق أبطالا جدد..يؤمنون بالجهاد ..لا يناقشونني التفاصيل ..فلسنا نتشارك رقعة الشطرنج .

أنا من أصنع اللعبة ..أنا من أكتب الرواية والكل يعمل تحت إمرتي ..انا من تمتلك خيوط اللعبة ..ومن تدير ترتيب الفصول ..ومن يمكنها اعلان انزال الستار ..ومتى تصدر الرواية الى الأسواق ..ومتى تكون معروضة للعلن ..

وأنا من تختار من يرسم واجهة الكتاب…ومن يخطّ عنوانه …

لا شخصية من شخصيات رواياتي يمكنها أن تتجرأ على مواجهتي أو اعلان العصيان ..

لا تمرد يحدث في مملكتي ..وحدي أمتلك مفاتيح القبيلة .ومقاليد الحكم ..

وحدي يمكنني ان اكون النعمان ..ووحدي اعلم اين دفنت سنمار…

تونس ماي 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »