مسرحية ”O” لمعّز الڤديري باكورة الدفعة الثانية لمسرح مدرسة ”77” / بين ”تونس حاجة أخرى” و”تونس نص نص” حين يخذل الوطن مختلفيه

صفا-نيوز-تونس/ سميرة الخياري كشو
وسط ظلمة المكان وصوت خرير المياه ينطلق العرض قبل ان يبدأ ويحتل كلّ ممثل مكانه بلا حراك نظراته الى المجهول كل منهم يتنفس ببطئ غير عابئ بالجمهور الذي يدخل المدارج تباعا وكأنما الجمهور هو جزء من العرض .
بداية تحيلك الى ذاك الساحر الشرير الذي يريد ترك بصمته الى كلّ عمل يقدّمه الى الجمهور .
يرتفع صوت خرير المياه ولا يتحرك الممثلون الى المسرح بانفاس شهيق زفير كالباحثين عن منفذ للهواء في كهف مجهول مغلق .
لم يُفتح الستار ..ولا ستار يُفتح لكن العرض ينطلق قبل أن يرتّب الجمهور نفسه الى مقاعده في انتظار انطلاق الساعة صفر .. لا تعلم ان كانت ساعة الصفر هي ساعة انطلاق العرض ام الساعة الصفر لاعلان انتهاء الدورة التعليمية للفرقة المسرحية للهواة في دفعتها الثانية ..ضمن مدرسة ” 77” للمسرح ..فيواجه التلاميذ مخاوفهم لاول مرةّ الى واجهة مكشوفة بعد سنوات من التدريب.
حركـــــة مواطــــــــــــــــــنة
عرض يتجاوز محترفي المسرح ..فهو بمثابة حركة مواطنة لمجموعة اختارت ممارسة هواياتها بعيدا عن الاحتراف الفنّي …هواية التعبير والتمثيل والتنفيس عن مشاغلها من خلال كوميديا سوداء استمر تحضيرها سنة لتخرج الى النور بتلاعب الكلمات بين عنوان ”O” و eau” ” والماء هو الحياة هو الأمل هو ايضا الصراع ..
على صوت البيانو والساكسوفون ونوبة صرع تسقط احداهن الى وسط خشبة المسرح في رقصة هي اشبه بالطائر الذي يرقص مذبوحا من الألم ..يقف البقية بلباسهم الاقرب الى البسة مهرجين بالوان مختلفة هي الاخرى لا تعكس وجع الشخصيات ولا تفاصيلهم ..من الاحتكار الى عمال المناولة الى الصراع المتخفيّ وراء من يستحق نقش اسمه الى لوحة التدشين تدشين محطة تحلية المياه .. هل هي من حقّ من صنعوا التفاصيل بايديهم أم من حقّ من نال صفقة المبايعة ..أم للأقربون أولى بدخول التاريخ وإن كان مزيّفا …ليتحول الصراع الى صراع بين الحكومة والبحر حسب رؤية مخرج العمل .

صــــراع المــــاء والحقيقة
ويستمر الصراع ما قبل تدشين محطة تحلية المياه وما بعده وما بينهما ..ما سبقه من جهود عمال المناولة وارهاقاتهم من وعود الترسيم الى صراع من يستحق ان يسجّل اسمه الى واجهة حفل التدشين والى ما بعد عملية التدشين التي شهدت سيلا من النفاق الاجتماعي انتهى بشخصية ” مفيد البشبوشي” الذي شرب من مياه المحطة عوضا عن الوزير ..الذي لم يثق في سلامة المياه المحلاة من البحر .
محطـــــة الجنون
وينطلق جنون المجموعة من صراع خلفي على واجهة الاحداث الى واجهة اكثر وجعا حين يتحول ” البشبوشي” من شخصية مجهولة ضمن جملة من الشخصيات المضطهدة الى شخصية ” البطل الخارق” فتسقط الكراسي تلو الاخرى ..ويدخل الجميع في حالة جنون على الخشبة ويصبح ”البشبوش” الظاهرة التي يلتف حولها الجميع فلا هو مريض ولا هو كائن لا يمرض ابدا وترتفع صوت المجموعة معلنا التمرّد بكونه ابن لوطن ” النص النص” الذي شرب روح البلاد ..بلاد متناقظة المصطلحات بين” قوم اقعد” و”امشي ايجا ” ومن” خبز وماء الى ”خبز وماء والديمقراطية لا” ..
وكأنما مياه المحطة عرّت ما كان مخفيا خلف الأكمة ..أو هكذا راها كاتب النص الشاذلي الطاغوطي.
فشعب ” النص النص ” أصبح يُطلب فيه الإذن مسبقا للتحدث بعد ان مات شارب مياه المحطة مسموما باغتيال صوته لكنه وُلد من جديد خارقا للطبيعة حاملا لأحلام اهالي المنطقة ولعمّال المناولة الذين أفنوا سنواتا خمس في بناء محطة المياه .
لكن ذاك الصوت الخفيّ القادم من وراء الستار لا يترك ” البشبوش ” ويدخله الى متاهات المساءلة ويواجهه بحقيقته انه ليس الرجل الخارق في حين يواجهه الكل بحقيقة العالم الذي يبحث عن منقذ وتصاعد الاحداث في العالم واعلان حالات الطوارئ في الوقت الذي يُعلن فيه وطن ” النص نص ” مهرجان ” الحنّة القابسية ”..فيصرخ الجميع ” خوذو الديمقراطية وأُعطونا الماء ” بعد ان تبيّن أن كل مجهوداتهم التي اعتقدوا انها خدمة للوطن ذهبت هباءا بفعل أخطاء السلطة .

وطن يعيش نصف غيبوبة
الوطن الذي يعيش نصف غيبوبة بلا وعد بلا يقين يشبه الطقس والبرد والشمس وكل التناقضات حتى الشكّ في نظام الحكم حتى إشعار اخر.
وتسقط الكراسي من جديد وسط صوت عازف القيتارة وخرير المياه واعلام يحكم مشهده ” الشوكو ” يستقبل محاوريه في منظومة ادوات مطبخ وذكاء اصطناعي يغالطهم في خارطة الطريق ..واعلام فاشل في تذّكر حتى عيد استقلال بلد ”النص النص” ويبحث عنه في تاريخ علبة سجائر ورغم ذلك لا يجب الطريق الى الاجابة الصحيحة بين علبة 20 مارس التونسية او مالبورو الامريكي 41 ..ولا يتذكر مساحة ارضه ولا تاريخ رجالاته الذين ماتوا غرباء في وطن غير الوطن .
وبين ”تونس حاجة اخرى ”وتونس” النص نص” يواجه ”البشبوش ‘ الذي تحول من خارق الى مجرد مواطن توهموا انه حامل لكل احلامهم الذي ارادوا لها ان تتحقق ..ويكون اول تونسي يصل الى النهاية التي تُقنع الجميع انهم ليسو” نص نص” بل هم ”نص من هنا ” و”نص من هناك” .
وتحوّل الجمع من عبودية ” البشبوش” الخارق الى عبودية ان الحكمة ليست في الماء فقد شربوا منه ولم يتحولوا الى خوارق وان الحكمة هي داخل” بشبوش” نفسه وطالبوه ب” البصق ” عليهم ليتبرّكوا بخوارقه …
وطن الخـــذلان
وتقترب النهاية في لقاء مواجهة بين ” كوكو ” حامل الاعاقة العضوية الذي يرى وجع ”البشبوش” في كونه مختلفا وانه يشبهه فامثالهم يراهم الاخرون مختلفون عنهم ولا يتشبهون بهم ..فيتعانقان قبل ان تُعلن المصالحة بين الجميع للواقع ويقررّ ” البشبوش” مواجهة الواقع واقع وطن ” النص نص” الذي لم يرحم المختلفين ولا السابقين لعصرهم فهو وطن حافل بالخذلان.
كما خذل ”حنبّعل” وتركه يموت وحيدا في منفاه وخذل ” ابن خلدون” الذي دّون تاريخ الدولة والعمران ورغم ذلك لم يفز بقبر يؤم رفاته في بلده ..ولا ”بيرم التونسي” الذي كتب طويلا عن الوطن لكنه مات بعيدا عنه ولا ” منوّر صمادح” الذي صُنع منه عدّو ..ولا ” بلحسن الشاذلي” الذي إتهومه بالزندقة ومات وحيدا هو الاخر…
فلا تٌدرك هنا هل ان صاحب العمل أراد لنا ان نسترجع ذاكرة وطن ” النص نص” أم ان نقاوم ونواجه من يصنعون الخذلان أم هو تكريم وإحياء للذاكرة الوطنية.
فكلّ المختلفين السابقين لعصرهم تفكيرا رحلوا غرباء لا يحملون الا الخذلان رفيقا معهم في غربتهم .
هكذا رأى” البشبوشي” نفسه غريبا وهكذا رأه الاخرون مجردّ ” مناضل مائي” وطالبوا له بمحاكمة شعبية حتى يكون عبرة لمن يُعتبر ..فلم يرو فيه سوى مجرد خائن للوطن او البطل الخارق الذي فشل وسرق كل احلامهم ..
تنتهي المسرحية وينتهي العرض الذي رأى فيه مخرج العمل انه باكورة أحلام مشروع ثقافي مسرحي للجميع بعيدا عن مسرح المحترفين ..فكلّ ممثل سيستفيق صباحا الى عمله ..حاملا نجاح مواجهته للجمهور لاول مرة في حياته .

المسرحية نص للشاذلي الطاغوطي ومعز الڤديري
تمثيل كل من احمد بالحسن – اميرة العريبي – اسماء حمزاوي – عبير عبدلي – اميرة منصور- ارجان بن صالح – عزة التواتي – امنة بوعلاقي- فاطمة كردوس- فدوى الدحماني – الهام بريني – ايمان بن حميدة- كثير ثامر – مروى كافي- مكرم العابد – مهدي بن الشيخ – محمد حمادة – نادية يحي – نسيم بلطيفة – رفيق بوخريس- ريم عرقوبي – صابرين بن مسعود – سوار بن حمزة – يوسف ساسي.
مساعدة على الإخراج: اسماء،حمزاوي و انتاج بروديكسيون 77







