أخبار ثقافية

حين تُبدع ”رباب السرايري” و”فاطمة بن سعيدان ” في إقناعك أنّ الفكرة كائن حيّ يُعاش

صفا- نيوز/ سميرة الخياري كشو

بصوت يرتعش فرحا وعيون تحبس أنفاسها الدامعة تتفرس في وجوه الحاضرين  قدّم المخرج الشاب ” عمر الغربي ” فيلمه القصير الاول

” هل ؟” في عرض أولّ للصحفيين ..

فيلم قصير لا يتجاوز الخمسة عشر دقيقة من التحليق في الخيال بحثا عن الحكاية أو عن القصّة …خاصة وأّنك ترفض الاراء المسبقة لأي عمل تُقرر متابعة خطوته الاولى الى النور.

فلا تعلم هل؟ ستكتب عن رؤيا مخرج الفيلم .. أم هل ؟ستكتب ما أنت عايشت في الفيلم  الذي جاء ملتحفا بالبياض .. أخرس دون صوت وأصم …دون لغة.. دون إشارات ..ولا تلميحات … حتى يجعلك تحاول أنت بذاتك ان تخّط فكرتك الى شاشة العرض .

وحين يسالك أحدهم عن فكرة الفيلم  لا تجد أجوبة وتكتفي بجملة لا أعلم ..

فلكّل منا رؤيته الخاصة للفيلم الاشبه بأوراق بيضاء كلّ يخط عليها رؤياه الخاصة.

ولا تعلم هل ؟ تُحدثهم عن رؤيا المخرج أم رؤياك  التي إعتبرتها مرحلة عبور من ضفّة الى أخرى ..من بياضه الملتحفة به الأجساد التي تأخذك الى الكفن …وتحررّ قبول فكرة الموت المتجسّد في الجسد الاخر الملتحف بالسواد ..

وربّما تكون هي بداية النهاية  بمشهد  ضبابي لملف سيناريو فيلم يمتد الى أذرع مجهول قد يكون هو مالك الحساب أو العقاب؟ أو هو ربّما مٌقّرر مصيرك المستقبلي .

 لكنك وبمجرد ان تعود الى صاحب العمل تجد نفسك وقد تلاعبت بك الأحداث فالموت والعبور ليس إلا فكرك أنت .. وأنّ المخرج قدّم فكرته كفكرة بيضاء خالية من الأحرف … خالية من الكلمات ومن الاسطر ومن اللغة  فجعل من كل مٌشاهد يكتبٌ وحدهٌ سيناريو خيالي الى عقله يتماشى وحالته النفسية .

قرأتُها أكفانا وعبورا وقرأها غيري  حلما وأملا وأجناسا أخرى من الحبك القصصية ومن الحكايات  التي تُروى .

  ماذالو كانت الأفكار كائنات حيّة؟ هي فكرة المخرج وأصحاب العمل

وكيف أنه في السرمديّة، تستيقظ فكرة وُلدت حديثًا على وعيها بذاتها، وتجد نفسها أمام خيار مصيري أن تخاطر بأن تصبح حقيقة، أو أن تختفي إلى الأبد.

ويأتي الفيلم حيث تلتقي ”الفكرة الشابة” الى ”الفكرة التي شاخت ” والحاملة في ملامح وجهها تجاعيد الزمن والتعب والامل وكانت قد  سبقتها الى ذاك العالم المؤدي الى  اللانهاية .

فيلم  برؤية جديدة ..ذو أبعاد فلسفية جميلة … بكّل فراغاته التفصيلية مليء بالحبكة الدرامية بالاحرف والكلمات والمشاعر والاحاسيس التي جسّدتها الممثلة ” رباب السبعي ” و”فاطيمة بن سعيدان” في مواجهتهما لبعضهما البعض وجهان يحملان نفس الوجع والتساؤل والحيرة  يتحاوران يتناقشان تحاول إحداهما التأثير على الأخرى ودفعها  للتحّرر والمضّي قدما …وكل شيء يحدث في صمت.. فلا لغة هنا لا تفهمها …ولا إشارات تجهل رؤيتها  … فقط بحّة في الصوت هي أشبه إلى صوت حفيف وبريق أعين يتحدث كل لغات العالم .

وتكتشف في نهاية الامر أنّك امام قصّة جميلة وحبكة درامية هي مغامرة  عميقة جدا مغامرة وجودية وفلسفية قام بها المخرج الشاب ”عمر الغربي ” أو لنقل طريقته الخاصّة في الردّ على لجنة الفرز الثقافي .

فالفيلم وان كان فيلما قصيرا وصامتا وبلا لغة فانه وضع حلم شاب في صراعه مع الدعم وإنتاج أعماله ويعريّ وضع وطن مع تفاصيل تعامله مع الجيل الجديد من الصحوة الفكرية في عالم الثقافة  .

معز الغربي المخرج الشاب الذي إستنزف من حياته خمس سنوات يكتب سيناريو فيلم بعنوان ” BOO ” الا أنّ ملفه قوبل بالرفض من طرف لجنة الدعم … فلم ييأس وقرّر ذات مساء أن يكتب سيناريو فيلم في ليلة واحدة فقط .. واتخذ قرار المغامرة بغياب الدعم والامكانيات وتمكّن مع فريقه المصغّر من صنع الفيلم دون تدخّل خارجي أو دعم وزاري  محتمين الى سبخة قريبة من العاصمة ..حيث تمت عملية تصوير أحداث الفيلم.

كتب سيناريو فقط … هو من قرأ كلماته ثم أخرجه الى الجمهور أوراقا بيضاء لا تٌسمع له فيها إلا حفيفا  مبحوحا .. ولا تقرا له أحرف ولا كلمات .

 يبدأ الفيلم بمشهد ملف سيناريو يحمل اسم  ” BOO”  الى سلّة المهملات  ومن ثم ينطلق الفيلم في بداية جديدة بسحابة عابرة تتوقف الى السماء الى الاعلى وتتساقط منها أجساد ملتفة الى البياض  الناصع مكفّنة الوجوه متحررّة الايدي والأرجل من كل ما يمكنه أن يٌعيقها  كما تتساقط الامطار يشكلون دائرة …وتيه ..  حيث لا يخترق هذا البياض الا جدار اسود لم يمّر منه الا جسد واحد .. فلم تكن هاته الاجساد الحيّة الا افكار المخرج المسجونة داخل عقله ..ومن ثم لا يتعرى الا وجه واحد فقط وجسد واحد يخرج الى الشاشة في صورة انثى شابة بلا صوت هي الاخرى لتتواجه الى عجوز ملتحفة بالسواد كما التحفت اطراف اصابعها .. بعضهم راه حبر العبور الى ما بعد مرحلة الكتابة واخرون كانما مخضبّة بحناء .

يلتقي الجسد الملتحف بالبياض الاشبه بالورقة البيضاء بتجاعيد العجوز الملتحفة بالسواد ويتجادلان الواحدة مع الاخرى في مواجهة صامتة لكنها صاخبة في ذات الوقت ..

فالانثى الشابة هي الفكرة الجديدة للمخرج الشاب وما العجوز التي امتلأ وجها بالتجاعيد وسواد الحبر الا  الفكرة القديمة للشاب الذي مٌنع صوتها من الخروج الى العلن ..

صورة فلسفية رائعة لمخرج شاب  أراد أن يتحدى بها مرحلة الدعم الوزاري والامكانيات لانجاز حلم .

فجعل من الفكرة كفكرة كائن حيّ يٌمكنها ان تُولد كما يمكنها ان تكون شابة ويمكنها ان تشيخ أيضا ..

وقد تموت في نهاية المطاف لكنها لا تستسلم بل تمنح المشعل لغيرها من الافكار التي تتوالد بلا ملامح ..

فالفكرة اذا لا تموت وقد تبقى عالقة بين العالمين بين عالم الحلم وعالم الخروج الى الحقيقة ..

حتى وان تم تغييبها فانه يمكنها أن تتجسّد في أكثر من كائن حيّ اخر

 وان لحظة الانتصار قد لا تتطلب خمس سنوات من المخاض اذ يمكنها ان تُولد في ليلة واحدة …

فيلم منصوح بمشاهدته لمن يتصارعون مع افكارهم الداخلية …ويدفعنا بدورنا للتساؤل …ماذا لو ؟

وهل؟ يمكن للعجوز ”BOO” أن تنتصر في نهاية الأمر لتسترد هي الاخرى صوتها الى العلن ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »