أخبار ثقافية

 ” نوّار عشّية ” فيلم بروح التسعينات يعيد الى الواجهة أبطالا منسيين

صفا نيوز/تونس /كتبت /سميرة الخياري كشو

فيلم ”نوار عشية”  أو هو عنوان نسبة الى الامثال الشعبية التونسية القديمة التي تتحدث عن  الوردة الجميلة  التي تنبت من ”الزبالة ” تلك المناطق التي تلقى فيها النفايات والفضلات وبقايا الطعام الملوثّ والاثاث المهترئ …عنوان الفيلم الذي زُيّن بشعار ” زهرة الأوركيد” التي تحمل في جيناتها قدرتها العالية على التكيّف مع بيئات مختلفة عبر الزمن.

فيلم طويل بسيط الصورة متسلسل السناريو والحوار الذي انطلق ببعض من الالفاظ السوقية النابية ..وبصورة علوية لا تحيلك الى أي مدخل او منفذ للخروج .. كما تحيلك بألوانه الى سنوات التسعينات رغم اعتماد تواريخ حديثة نسبيا للوحات السيارات واستعمال للهاتف الجوال في مناسبات قليلة جدا .

تقول عنه كاتبة السيناريو والاخراج  ”خديجة المكشر” انه كان جاهزا منذ اربع سنوات قبل ان يعرض أمس في عرض قبل الاول للصُحفيين في قاعة الكوليزي بالعاصمة ..وأنه فيلم تطّلب منها الغوص في تفاصيل شباب المنطقة اربع سنوات سابقة للتصوير أيضا .

قصة تحاكي الاف القصص

يروي الفيلم  قصة شاب يقطن حيّا من اشهر الاحياء التونسية تاريخيا  وهو ”حي هلال” .. من أقدم الأحياء التونسية التي تعود الى القرن الماضي حيث كان يسكنه الآفَاقيّون من الآفاق وهي تسمية تُطلق على القادمين من أقصى البلاد سابقاً في تونس  والنازحون من الأرياف والجهات الداخلية والمهمَّشون من القاع الاجتماعي كما سكنه اليهود الممنوعون من السكن في المدينة ضمن التقسيم الثلاثي لعهد البايات فكان نصيبه ”الربض” من  ” الأرباض” ضمن اخر التصنيف .

حي هلال الحاضنة الشعبية … وحده كان كفيلا بفتح واجهة لتاريخ تونس بماضيها وحاضرها ومستقبلها ..فلا احداث دخلت التاريخ دون حي هلال  شأنها شان من سُميت به المنطقة وهو الشهيد ”صالح هلال” الذي صارع الاحتلال واستشهد في حرب بنزرت لكننا لا نجد له تاريخا يُذكر الا الى حي لا يؤُرخ الا للماسي والنكبات ..ومنهم صبري نواّر عشية أو هو زهرة الاوركيد المنسية.

 خارج دائرة الحلم

هذا الشاب المفقّر يتيم الام المواجه لوالده السكير لحماية شقيقه الاصغر من زوجة اب ثانية من ان يستغله والده في شراء الخمر ليلا من السوق السوداء..  الشاب صبري الذي اختار حماية الطبيعة بجمع النفايات والابتعاد عن الممنوعات يتيح له احد الابطال القدامى ” دجو” فرصة التمّرن داخل قاعته الرياضية  البسيطة ذات الواجهة الحديدية  المهترئة هي الأخرى والصدئة ..حتى يحقق حلم حصوله على بطولة تونس ..وسط غياب كلّي لاي حضور رسمي او تشريف من السلطات الا من تحيّة العلم المرفوع الى السقف والتي قُدمت فيه صورة الاعناق المشرئبة الى الاعلى..وقوفا الى النشيد الوطني …وجوه كالحة اتعبها الزمن وأرهقها الوقوف والانتظار مع نظرات ذهول وحسرة ودموع محبوسة الى المقلتين .

ينتهي حلم البطولة بالفوز داخل عرض المسابقة التي يشاركه فرحته فيها شباب الحيّ .. و يبدأ  بالغوض في غمار البحث عن الحرقة مع حرّاق الحومة الشهير ب”لمبيدوزا ” خارج دائرة حلم ”دجو”  المصاب بمرض عضال .. لينتهي الحلم بالشاب صبري الى قاع البحر لا يرافقه الا تلك الصورة التي كان رسمها الى جدار غرفته المهترئة هي الاخرى  لحورية البحر ..التي انقذت جسده من أن ينهشها الحوت لكنها لم تنقذه من الموت غرقا بفعل جهله للسباحة .

مواجهة الموت بالحقيقة

مواجهة الموت بالحقيقة وبالبحث عن الاجساد التي يبتلعها المتوسط جسدتها المخرجة في صورة الاب المفزوع الى الجثة المجهولة التي حاول التعرف اليها من خلال وشمة مرسومة الى يد الجثة فكانت وشمة رفيق ابنه ..حيث ارتسمت تلك البسمة المدمّرة الى عينيه ..تلك اللحضات التي لا يٌدركها الا من عانوا فقدان ابناءهم في المتوسط والمنتظرون الى الاطلال في السواحل التونسية بحثا ولو عن بقايا جثة لتٌوارى التراب …لتٌدرك ان الناجون بعد الموت هم من يُحضون بقبر يجمع اشلاءهم اما البقية فيضلّون عالقين الى قائمة المفقودين لعشرات السنين .

الفيلم في مجمله وان كان فيلما خال من الألوان المنمّقة تنبعث منه رائحة الدخان وبقايا نيران تم اشعالها ليلا للتدفئة لشباب  يعايش الليل قبل النهار .. الا انه  يُعتبر صورة حيّة لكل قصة ..قد تعلن قصص الالاف ممن ابتلعهم المتوسط .. في التسعينات …على اعتبار ان سيناريو الفيلم  لم يغامر في تشتيت الرؤيا الى التقلّبات البيئية والعمرانية والحياتية لهذا الحي بالذات أولا ولا الى متساكنيه ولا حتى الى ابطاله من الرياضات الفردية الذين نجو من تاريخه ..مع اعتماد تواريخ القرن الواحد والعشرين ..

عالم معزول نهائيا عن ”الوطن” وعن ”السلطة”

فالسيناريو لم  يضاهي حلم المخرجة في رغبتها تسليط الاضواء على الرياضات الفردية للشباب المهمشّ ..واختارت تغييب دور السلطة في الفيلم .. ليس بالحضور بل ألغتها من التصنيف نهائيا ..وكأّن عالم ”صبري” البطل بطل تونس للملاكمة ..هو عالم معزول نهائيا عن ”الوطن” وعن ”السلطة” وعن ”القرار ” ..في مقابل تواجد اليد الامنية التي تمتد لرفيقه تاجر الممنوعات والتي انتهت بتمرّده على الابتزاز المالي ..قبل ان يخوض هو الاخر طريق البحر وينتهي به الامر الى قاعه .

زقاق حاد لزاوية مغلقة

  فالزاوية التي التقطتها المخرجة والتي قالت انها تطّلبت منها العمل 4 سنوات داخل الحي والاحتكاك بشبابه ..لم تكن زاوية بقدر ماكانت زقاقا حادا ينغمس داخل زاوية حادة بلا مخرج ..

فلولا التاريخ التي أردفته الى شاهد القبر لكان الفيلم صورة للتسعينات او صالحا لكل زمان ..ولأكثر من منطقة منكوبة …

 

جوائز عربية

فيلم” نوّار عشيّة ” يدخل عرض القاعات  ابتداءا من يوم الاربعاء القادم 7 جانفي ليعيد وجع تاريخ سنوات من مفقودي المتوسط قبل ان تتحوّل الحرقة ..الى عمليات نخبوية .

فيلم نواّر عشيّة الجاهز منذ 2021  لم يرى النور في تونس الا أمس الا انه سبق ان شارك  الدورة 45 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي التي أقيمت من 13 إلى 22 نوفمبر الماضي، وشارك في المسابقة الرسمية لهذا المهرجان التي سجلت تنافس 17 عملا.
حيث توّجت خديجة المكشر بجائزة أحسن إخراج عن هذا الفيلم كما توُج أيضا خلال مشاركته في المغرب ضمن فعاليات الدورة 21 من المهرجان الدّولي للسينما والهجرة بأغادير التي أقيمت من 8 إلى 13 ديسمبر 2025 (بمشاركة أفلام من 21 دولة).

 كما حاز الممثل إلياس القادري في دور صبري على  جائزة لجنة التّحكيم لأفضل دور رجالي عن أدائه في هذا الفيلم المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان.

والذي لم نجد له هو الاخر اي صورة للتتويجات السابقة منشورة للعموم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »