أخبار ثقافية

النفاق النقدي عند بعض المسرحيين: حين يتحول التصفيق إلى قناع

بقلم عبد العزيز أوشنوك / مخرج مسرحي المغرب

في المسرح، يفترض أن يكون النقد مرآة صادقة للعمل الفني، لا قناعا يخفي المجاملات ولا سيفا يشهر عند تصفية الحسابات. لكن ما نلاحظه أحيانا في الساحة المسرحية هو شكل من أشكال “النفاق النقدي” الذي يربك المشهد أكثر مما يخدمه.

النفاق النقدي يبدأ حين يتحول بعض المسرحيين إلى نقاد موسميين، يمدحون العمل إن كان لصديق، ويصمتون إن كان لمنافس، ويهاجمون إن تعلق الأمر بخلاف شخصي. تختلط المعايير، وتضيع البوصلة، ويصبح المقياس هو العلاقة لا الجودة، والانتماء لا القيمة الفنية. وهنا يفقد النقد جوهره: الجرأة، والموضوعية، والمسؤولية.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى العمل المسرحي، بل يضر بثقافة الاختلاف داخل الوسط الفني. فبدل أن يكون النقاش ساحة لتبادل الرؤى وتطوير التجارب، يتحول إلى مجاملات علنية وهمسات في الكواليس. نسمع الثناء في الندوات، ونقرأ العكس في الجلسات الخاصة. نرى تصفيقا حارا في القاعات، ثم تعليقات لاذعة في المقاهي. أي مصداقية تبقى بعد ذلك؟

المسرح، في جوهره، فعل مواجهة: مواجهة النص، ومواجهة الواقع، ومواجهة الذات. فكيف نقبل أن يكون النقد — وهو جزء من هذا الفعل — خاضعا لحسابات ضيقة؟ إن النقد الحقيقي لا يقاس بحدة عبارته، بل بصدقها. لا يقاس بعدد العبارات البلاغية، بل بقدرته على تشريح العرض بإنصاف: إبراز مكامن القوة كما كشف مواطن الضعف.

لسنا بحاجة إلى تصفيق مجاني، ولا إلى هجاء مجاني. نحن بحاجة إلى نقد يقرأ التجربة في سياقها، ويحترم جهد أصحابها دون أن يتواطأ مع أخطائهم. نقد يدفع الفنان إلى التطور، لا إلى الغرور أو الإحباط.

تطهير الساحة المسرحية

إن تطهير الساحة المسرحية من النفاق النقدي لا يكون بالفضائح ولا بالتشهير، بل بإرساء ثقافة مهنية واضحة: معايير شفافة، نقاشات مفتوحة، وجرأة أخلاقية تعترف بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الصداقة لا تعني التزكية.

فالمسرح الذي لا ينتقد بصدق، يذبل في صمت. والنقد الذي لا يتحلّى بالشجاعة، يصبح مجرد دور ثانوي في عرض رديء الإخراج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »